رجال ريّا وسكينة - سيرة سياسية واجتماعية > مراجعات كتاب رجال ريّا وسكينة - سيرة سياسية واجتماعية > مراجعة alatenah

رجال ريّا وسكينة - سيرة سياسية واجتماعية - صلاح عيسى
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
4

يوميات قراءتي لكتاب رجال ريا وسكينة لصلاح عيسى:

ـ من آثار جرائم "ريا وسكينة" التي لا تزال قائمة إلى الآن تلك الظلال السلبية لاسميهما اللذين باتا نادرين، ولا تكاد تجد أحداً يسمي عليهن بناته رغم أن هذه الأسماء شريفة، واشتهرت نساء به من "آل النبي" عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم.

ـ يصوغ صلاح عيسى قصص استدراج "ريا وسكينة" لضحاياهما في قالب صحفي وقصصي ممتع، ويتوقف عند تفاصيل يسيرة لكنه يستنتج منها ما له علاقة ودلالة على هذا العصر بكل تناقضاته وأحواله.

ـ صلاح عيسى لا يكتفي بحكاية الجرائم قصصياً بل ويتفاعل مع ما يحتاج منها إلى ذلك، انظر إلى تعليقه على نهاية حياة "نبوية" التي خدعت زوجها وأبناءها بتظاهرها أنها امرأة صالحة بينما كانت تمارس البغاء سراً لا رغبة في المال الذي لم يقصر معها زوجها فيه بل لميل انحرافي حاولت أن تواريه عقوداً عديدة ونجحت في ذلك حتى آخر رمق من حياتها يقول صلاح عيسى: "وعلى هذه الصورة لفظت "نبوية بنت جمعة" أنفاسها الأخيرة، ورحلت عن الدنيا، وهي تحمل على جسدها كل آثار خطاياها التي كانت ترتكبها سراً... وتظن أنها لن تفضح أبداً"

ـ نجح "صلاح عيسى" في تحويل محاضر القضية إلى قصص قصيرة ومثيرة، فكل جريمة ارتكبتها "ريا وسكينة" أعاد "عيسى" صياغتها في قالب قصصي معتمداً على محاضر التحقيق ووثائق القضية، إنه عمل يجمع بين التوثيق والإبداع.

ـ التهتك الأخلاقي الذي كان تتقلب فيه "ريا وسكينة" وأزواجهن وأعوانهن يكشف عن الحضيض الأخلاقي المتدني الذي كانت ترزح تحت وطأته الطبقات الدنيا في المجتمع المصري آنذاك، وهو تهتك يفوق تهتك الطبقات العليا في ذلك الوقت.

ـ بلغت "ريا وسكينة" من قسوة القلب وتيبس المشاعر أن إحدى ضحاياهما كانت تصطحب معها طفلة صغيرة عمرها ثماني سنوات، لكن هذا لم يشفع لها فلم يرفقوا بها بل قتلوا أمها بعد أن سربوا ابنتها خارج البيت إلى الحارة (كان فيهم خير)

ـ وفق المؤلف كثيراً في تحليل نفسيات رجال "ريا وسكينة" وربطه بطبيعة العصر الذي عاشوا فيه والطبقة الاجتماعية التي انتموا إليها.

ـ يؤكد المؤلف أن "ريا وسكينة" ورجالهن كانوا يختارون ـ لجرائم سلبهم وقتلهم ـ النساءَ عديمات الشرف المقطوعات من شجرة عوائلهن أو اللاتي لا عوائل لهن حتى إذا تم التخلص منهن لا يجدن من يسألن عنهن فضلاً على أن يبلغ الشرطة عن اختفائهن.

ـ يرى المؤلف أن من أسباب عدم افتضاح جرائم رجال ريا وسكينة كونهم جماعة مغلقة تتخذ بنفسها ـ دون عون من أحد ـ كل خطوات اختيار ضحاياهن واستدراجهن وقتلهن ودفنهن وسلبهن حليهن وبيعه إلى الصاغة، ومن ثم توزيع المال بين الجميع بالتساوي، فلا أحد يمكنه أن يذيع أسرار العصابة غيرهم.

ـ تنتابك مشاعر متعددة وأنت تقرأ قصص الجرائم هذه، فأنت تشعر بشيء من الاشمئزاز والتعجب والحزن والألم والخوف بل والقلق أيضاً من طبيعة النفس البشرية المتقلبة، والتي لا يضبطها غيرُ الدين وحده، وبغيره يصبح الإنسان أقرب عرضاً إلى الحيوان، مهما التاث بعادات وتقاليد وأعراف.

ـ المال الحرام لا ينفع صاحبه ولا يبقى له، فما يجمعه أشرار "ريا وسكينة" يضيع في الحرام.

ـ جاوزت الآن ثلث الكتاب والسؤال الذي يطرح نفسه عليَّ: هل هذه التفاصيل الدقيقة والحوارات الأنيقة التي ينقلها لنا صلاح عيسى منقولة من وثائق رسمية؟! أخشى أن صلاح عيسى كتب هذا من خياله على طريقة بعض الروائيين في تناول بعض الوقائع التاريخية؟ صلاح عيسى لم يرفق إلى الآن أية وثيقة رسمية ما عدا الصور الفوتوغرافية للمجرمين وبعض ضحاياهم، وصور لبيوت وحارات تشابه المكان الذي وقعت فيه أحداث هذه الجرائم.

ـ التفاصيل التي يوردها عيسى عن "أنيسة" و "عديلة" طويلة جداً ولا تأثير لها يذكر على جسد هذه الجرائم، وهي مليئة بحوارات واستنتاجات مسهبة ومملة أخشى أن لا غاية لها غير التطويل.

ـ لا أرى أن رجال ريا وسكينة كانوا يتحوطون في إخفاء آثار جرائمهم كثيراً، بل كانت غفلة الشرطة وعدم اكتراثها هي السبب الذي زادهم في غيهم حتى افتضح أمرهم بالصدفة المحضة.

"ثم دخل الغرفة وجال ببصره فيها..

وسألها: فين "نظلة" يا "ريا"؟

ولدهشته البالغة.. ردت قائلة: عندك تحت الصندرة"

لم يشرح لنا المؤلف كيف اعترفت "ريا" بهذه السرعة؟ ودلت الشرطة على مكان الجثة دون أن يكون سؤالهم عنها تحديداً؟

كيف انهارت "ريا" بهذه السرعة؟

ـ بلا شك أن "ريا" هي الذيل الذي قاد الشرطة لسحب جميع رجالات "ريا وسكينة" من خلال اعترافاتها، وأجوبتها المتناقضة، وبونٌ كبير بينها وبين أختها "سكينة" الذكية.

ـ إذا صدقت وقائع التحقيق مع رجال "ريا وسكينة" فإن ذلك يكتب صفحة ناصعة البياض للشرطة المصرية في العشرينات الميلادية، إذ لم تستخدم معهم ـ رغم عظم جرمهم ووخامة ما اتهموا به ـ أية وسيلة تعذيب، بل كان التحقيق معهم مهنياً للغاية يقارب مستوى التحقيق الذي نقرأ عنه في بريطانيا مثلاُ!

ـ "حسب الله" يفوق "ريا" في الغباء، والتكتيك الذي اختاره لتبرئة نفسه أثناء التحقيقات هو الذي آل به إلى المشنقة، والطريف أنه لآخر لحظة في حياته كان ينكر أي يد له في الجرائم التي ارتكبت!

اعترافات "عديلة" ابنة "ريا" و "حسب الله" مؤثرة وإنسانية رغم أنها نشأت في بيئة إجرامية، وقضت معظم سني حياتها العشرة في الشارع الذي يضج بالعاهرات والقوادين والسكارى ومدمني المخدرات، لقد كانت معاناتها في العيش وسط هذه البيئة ذا أثر ممض على طفولتها أورثها المعاناة والعقد النفسية، إن "عديلة" هي ذاتها أمها "ريا" وخالتها "سكينة" في طفولتهما البائسة التي قادتهما إلى هذا المصير المأساوي، هما مجرمتان نعم لكن المجتمع الذي نشأتا فيه يتحمل جرم ما قامتا به أيضاً.

ـ اعترافات "بديعة" هي كلمة الفصل في تثبيت التهمة عليهم، وليتي أعلم كيف انتهت الحال بهذه الفتاة التي أُعدم والداها المجرمان،وما كان حالُها بعدهم؟

ـ انهيار المجرمين فجأة واعترافهم ليس بسبب الضغوط النفسية التي مورست عليهم، وأدلة الإدانة الدامغة التي طوقوا بها بل السبب في ذلك ـ في نظري ـ هو التعذيب الذي مورس عليهم لانتزاع اعترافاتهم، وهذا شيء للأسف لم يشر إليه "صلاح عيسى" أو حتى يلمح إليه، والتعذيب آنذاك كان شائعاً حتى في مراكز الشرطة ببريطانيا فكيف بغيرها من الدول المستعمرة؟

ـ جرب رجال "ريا وسكينة" كل ألوان الكذب، وفنون المراوغة؛ لتبرئة أنفسهم وتوريط غيرهم لكنهم في النهاية اعترفوا وأدينوا وأعدموا، لكننا إلى الآن لسنا متوثقين أن جميع ما قالوه صحيح مئة بالمئة، بل لا شيء يجزم بأن كل ما سجل في محاضر التحقيق، وانتفع به "صلاح عيسى" في كتابه دقيق وحقيقي، وليس من تزيد المجرمين أو من حقق معهم أو أن تكون بعض هذه الاعترافات أخذت منهم بعد تعذيبهم، وقام المحققون بكتابتها؛ لينهوا هذه القضية المعقدة، ويردموا كل الثغرات فيها، وهم واقعون تحت ضغط سياسي وإداري وإعلامي واجتماعي رهيب؛ لوقع هذه الجريمة المروعة التي هزت مصر بل والعالم وقتها.

ـ في تحليله للتهتك الأخلاقي، والانهيار القيمي الذي كان المجتمع المصري يعيش فيه بداية القرن الماضي يغفل أو يتغافل "صلاح عيسى" عن دور الاستعمار البريطاني وحلفائه في حماية مظاهر هذا الانحلال والتفلت، إذ غاية ما تفعله الحكومة مع الزواني هو التأكد من نظاميتهن وصحتهن وتوجيههن إلى دور الزنا التي تشرف عليها الحكومة، ومثل هذا يقال عن الخمارات، ومقاهي الحشيش والمخدرات، وتجيء هذه الحماية متناغمة مع التغريب الاجتماعي والثقافي وتهميش دور الدين في المجتمع والذي ساعد على انغماس صفوة المجتمع وقاعه على حد سواء في الآفات الأخلاقية لهذه الحضارة المادية الجديدة التي نشط المستعمر في نشرها بين أبناء الأمة المغلوبة؛ ليجتمع عليها الذل والفقر والفُجر.

ـ المحاولات التي بذلها "حسب الله" و "عبدالعال" لفتح القضية من جديد ـ بعد صدور الحكم بإعدامهما ـ جديرة بالتأمل والنظر هل هي بالفعل محاولة لإطالة عمرهما في هذه الدنيا، والفوز بما بقي لهم فيها من مغانم يسيرة وحقيرة؟1

ـ الأمومة ترقق قلب المرأة حتى لو كانت مجرمة لنقارن بين ما قالته "ريا" قبل شنقها، وما قالته أختها "سكينة" قبل أن تشنق حتى تستبين لنا هذه الغريزة النبيلة.

ـ مرَّ المؤلف على وفاة "بديعة" بعد إعدام إمها "ريا" بثلاث سنين مرور الكرام، ولم يعلق على ذلك بشيء، وكان يتفرض به أن يبدي بعض التعاطف معها.

ـ يبرر صلاح عيسى الانهيار القيمي الذي تشي به قصة "ريا وسكينة" بظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى متناسياً ما تم قبل ذلك من تغريب وتجريف للقيم الدينية قام به الاستعمار البريطاني وحلفاؤه السياسيون والفكريون.

ـ الدقائق الأخيرة في حياة رجال "ريا وسكينة" أثناء لف حبال المشنقة على رقابهم ـ إذا صدقت ـ تؤكد أن بعضهم مجرم مع سبق الإصرار والترصد والافتخار بالقتل، وتؤكد أيضاً أن بعضاً آخر قد يكون بريئاً، وعند الله وحده علم كل شيء.

ـ لم يرفق صلاح عيسى في كتابه الضخم وثائق رسمية ذات صلة مباشرة بالقضية، وعليه لا يمكن لنا أن تكذيب الرجل فيما قاله وادعاه وأيضاً لا يمكن لنا التسليم له بكل ما أورده، وتبرئته من التزيد والمبالغة فيه، وليت الحكومة المصرية تفرج عن هذه الوثائق على طريقة الحكومات الغربية بعد مرور خمسين سنة عليها، ليستبين لنا وجه الحقيقة ليس في حادثة "ريا وسكينة" بل في حوادث كثيرة قبلها وبعدها.

ـ يظل هذا الكتاب من أمتع وأنفع ما قرأته ل"صلاح عيسى"

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق