مراجعات رجال في الشمس > مراجعة محمد الجدّاوي

رجال في الشمس - غسان كنفاني
تحميل الكتاب
رجال في الشمس
تأليف (تأليف)
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • مراجعة جديدة
  • اقتباس جديد
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


5

أسلوبٌ رائع ذاك الذي اتبعه غسان كنفاني في سرد ماضِ الشخصيات ودوافعها الحاليّة فكثيراً ما تجد الحوارات

تدور في الوقت الحاضر من الأحداث ومن ثم في السطر التالي تنتقل بكلمة مفتاحيّة إلى حوارٍ وأحداثٍ دارت في الماضي

هكذا وببساطة.. أي أننا ننتقل من الحاضر إلى ومضات من الماضي أو ما يعرف بالإنجليزية بـ ""Flash-Back.

لأكون صريحاً، لم أعتد على هذا الأسلوب في البداية، ولكن لكثرت استخدامه بانسيابيّةٍ بارعةٍ في الحوارات أصبحت من المعجبين به.

شخصيات الرواية الرئيسيّة الأربعة، أبو قيس، أسعد، مروان و أبو الخيزُران.. جميعها أعطاها الكاتب حقها في تفصيل دوافعها وما يقودها لفعل ما تفعله دون إسهابٍ طويلٍ ممل..

الكل لديه مأساته الخاصة فالشخصيات بقيت وفيّةً لنفسها حتى آخر الرواية بحيث أنها تتصرّف بمنطقيّة وتتأخذ القرارات وفق ما تتوقع من شخصيات من نوعها أن تفعل،

لذلك لن تجد نفسك في الرواية تقول لإحداها : "كان بإمكانك فعل كذا وكذا.. لماذا اتخذت هذا القرار الغبي؟".

،

أكثر أمرٍ مؤسفٍ بالنسبة لي في الرواية هو الحال الذي وصل إليه المهاجرون..

عندما أفكر في الأمر أجد أنهم يسافرون للكويت ليس لأنها أملهم في العيش الكريم بل لأنها المكان

الذي يمكن أن يبحثون فيه عن الأمل.. إذ أن وصولهم للكويت لا يعني انتهاء الأمر بل بدايته في الحقيقة.

،

كان بإمكان الكاتب أن لا يتعمّق بتلك الدرجة في شخصية أبو الخيزران إذ أني أرى أن غايته في الترزّق من تهريب المهاجرين إلى الكويت وجمع المال

كافيه لتقديم شخصيته إلا أن الكاتب أضاف تفاصيل مكملة لهذه الشخصية جعلت وقع تصرفاتها أكبر في النفس وذلك بتعريفنا ماضيها.. نعم.. الكل لديه مأساته الخاصة.. أعجبني هذا الأمر.

لأني قرأت انطباعات في السابق عن هذه الرواية فقد أفسدتُ على نفسي حدثها البارز الكبير..

الخزّان..

كلمة كلما قرأتها في الرواية أصابني التشاؤم لعلمي بالمصير الذي ينتظر الثلاثة،

"ابتعدوا عن فخ الموت هذا".. هو ما أخذتُ أهجس به في نفسي كلما اقتربوا من هذا الخزّان المشؤوم.

حقاً.. الإنسان لا يعلم أين يضع الله الخير له فما بدا للثلاثة هو أن لقاءهم مع أبو الخيزران فرصة ذهبية صعبة التعويض،

إذ أن المهربين الآخرين يستغلون حاجة المهاجرين ويطلبون سعراً يفوق ما لديهم، بالإضافة إلى كون المهربين ليسوا مواضع ثقة، فبجانب وعودهم الفارغة،

عُرِفَ عنهم أخذ المال من المهاجرين ومن ثم الوصول بهم إلى منتصف الصحراء القاحلة وتركهم هناك بحجّة أن الكويت أصبحت قريبةً الآن وبإمكانهم

المواصلة سيراً على الأقدام الأمر الذي أودى بحياة الكثير ممن تعامل معهم، القلّة فقط تمكنت من تحمل الشّمس الحارقة والصبر على الظمأ الشديد

طوال السير الذي يمتد لساعات ومن ثم الوصول للكويت اخيراً.

عندما ينظر الثلاثة إلى الخيارين أمامهم: الهجرة عن طريق المهربين أو عن طريق عرض أبو الخيزران،

فكما قلت عرض الأخير فرصة ذهبية قد لا تعوّض وهنا ظنوا أن هذا هو الأخير والأفضل لهم ولكن "وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم"

فهم لم يعلموا أنهم في الحقيقة يتجهون إلى موتهم بقبولهم العرض..

وكذا هو حال الإنسان في الدنيا.

نسال الله أن يسددنا إلى ما هو خير لنا..

،

بعد إنهائي للرواية لم أعلم كيف أُصنّف أبا الخيزران هذا، فأفكاري تضاربت حوله،

كان صادقاً في وعده مع الثلاثة وأُعجبت بإخلاصه في البداية إذ أنه حقاً كان يسرع بقدر ما أمكنه عند نقاط الحدود لكي لا يتأخر عن فتح الخزّان والإفراج عن الثلاثة

خصوصاً عندما ألتقى بذاك الأحمق المدعو "أبو باقر".. أحسست أنه سينفجر في أيّةِ لحظة فثلاثة أرواحٍ بينها وبين مفارقة أجسادها مجرد دقائق معدودة

في حين استمرار ذاك المغفل في تضييع الوقت.

لكن..

لاحقاً عندما أدركته الحقيقة المرعبة.. أجده مسؤولاً نوعاً ما عن موت الثلاثة فهو أكثر من يعلم أن مسألة استخدام الخزّان للتهريب بها مخاطرة كبيرة

ليس من ناحية اكتشافه والقبض على المهاجرين ولكنما مسألة الوقت التي تحكم إمَّ موت أو حياة الثلاثة..

كان عليه وضع عديد العوامل بعين الاعتبار حيث أن أيّ شيءٍ يمكن أن يحدث عند نقاط التفتيش مما يعني ضياع الوقت الثمين..

لماذا افترض أن كُلَّ شيءٍ سيسيرُ كالمعتاد ؟

وأنه سيدخل ويخرج في غضون سبعة دقائق؟؟

كان عليه وضع نفسه كثيرا أمام السؤال: "ماذا لو ؟"

أعلم أنه على الإنسان أن يتوكل على الله وأن يأخذ بالأسباب دون التردد بقول "ماذا لو حدث هذا أو لو أصابني هذا..."

ولكن نحن هنا نتحدث عن مسألة تتعلق بضياع أرواح بشر لذلك يجب الأخذ بكل صغيرة وكبيرة.

"ماذا لو قام الأحمق أبو باقر بتأخيري بكلامه الفارغ؟"

هذا احتمالٌ ضمن جدار الاحتمالات الكثيرة التي يمكن أن تقع..

ووقع فعلاً !

،

والأمر الآخر الذي لم يجعل لي رأياً مستقراً بشأن أبو الخيزران..

هو قيامه برمي جثث رفاقه الثلاثة كالقمامة عند أماكن طمر النفايات

على الرغم من أنه في البداية رفض فكرةإلقاء جثثهم في الصحراء

وخطط لدفنهم، كُلٌّ في قبره الخاص..

ومن ثم سطوهِ لجثثهم وأخذه لما بقي لديهم من نقود بغير حق.

ما حدث تالياً -وهو أشهر حدثٍ في الرواية- هو ما زادني حيرة حوله، فقد شعرت بحسرته وحزنه الكبير عليهم

في مشهده الأخير المؤثر الذي قال فيه إحدى أشهر العبارات في الرواية العربية والتي ما زالت تُردد حتى الآن،

وبقيت تحوم في نفسي بعد انتهائي من الرواية.

،

الأمر الأخير الذي اود ذكره بشأن الرواية هو التفصيل الصغير الذي قد لا يهتم له البعض إلا أن اهتمام الكاتب به اعجبني

وهو عندما قال أبوالخيزران أنه لا بأس أن تزداد مجموعتهم شخصاً واحداً بالإضافة إلى مروان، أسعد وأبو قيس..

قد يبدو الأمر أنه يسعى فقط إلى المزيد من المال ولكن لاحقاً عندما فتح الخزّان لأول مرة أخبرهم أن هناك عوارض حديدية

عند كل زاوية.. أي أن هناك أربعة عوارض حديدة بإمكانهم التمسك بها عندما ينطلق بسرعة وبالتالي فإنه يستطيع في الواقع

نقل أربعة أشخاص في الخزّان.. لهذا قال في البداية لا بأس إن ازداد العدد واحداً.

،

نسأل الله أن يفرج همّ إخواننا المستضعفين في كل مكان وينصرهم على أعدائهم، ويجعل كلمتهم كلمة حق،

وينعم عليهم بالأمن والأمان والعزة والاستقرار ...

Facebook Twitter Link .
12 يوافقون
اضف تعليق