مراجعات النبطي > مراجعة Tolba Abdalla

النبطي - يوسف زيدان
تحميل الكتاب
النبطي
تأليف (تأليف)
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • مراجعة جديدة
  • اقتباس جديد
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


5

يوسف زيدان يكتب عن تاريخ الناس العاديين البسطاء المنسيين .. لا يعيشون في موضع أحداث كالمدينة أو مكة أو الأسكندرية، وليس فيهم أي شخص ذو نفوذ أو تأثير، ولا تهمهم الأحداث الكبرى التي تحدث بعيدة عنهم إلا بمقدار ما تمسهم، حتى أن أكثر ما أسعد مارية بإسلام زوجها هو فقط أن الاسلام حرم الخمر مما جعل رائحة فمه أفضل! .. الأمر يشبه ما فعلته رضوى عاشور في (غرناطة) عندما كتبت هي أيضاً عن غرناطة عامة الناس وليس غرناطة القصور والأمراء ..

مسار الأحداث بطيء للغاية حتى ما بعد النصف الأول من الرواية، ورغم لغته البليغة الرائعة، ووصفه لذلك العالم الغريب عنا ليجعلنا وكأننا نراه، إلا أن هذا لا ينفي أنها (طولت منه!)، كان بإمكانه اختصار ذلك الجزء دون أن يخل بأي شيء .. الوصف مبالغ في طوله وتفاصيله، والشخصيات قليلة وبعضها تم الحديث عنه أكثر من اللازم دون أن يحمل عمقاً خاصاً أو يظهر مرة أخرى في الأحداث، مثلاً أرى أن شخصيتي شنوتة وباخوم قد تم تناولهما باسهاب أكثر من اللازم، وهما لا يعدوا تكراراً لبعض ما في عزازيل ..

في النصف الثاني من الرواية وتحديداً مع (الحيوة الثالثة) اختلف الوضع .. الأحداث سريعة ومتوالية، وشخصيات الرواية الرئيسية ظهرت، أكثر عمقاً واثارة للاهتمام .. شخصيات عميرو والهوديّ وأم البنين - رغم أنها كانت تحتمل المزيد من التفاصيل - والزوج سلامة وليلى تم رسمها جميعاً ببراعة، وكانت فمة الإبداع في شخصية النبطي الذي سميت الرواية باسمه ..

النبطي ذلك الذي فسر كلام الحكمة والسكينة الذي يشعر به في قلبه ويجري على لسانه بأنها النبوة .. النبي المثالي الذي لا تصلح مثاليته لهذا العالم، يرفض أن يتاجر في الخيول التي تستخدم في الحرب، ويرفض تناول اللحوم، ويتحدث طوال الوقت بكلمات علوية غامضة تبدو معدومة القيمة أمام حمى التجارة والحرب والإثراء التي تجتاح الجميع في ذلك الزمن، وتتصادم مثاليته البريئة مع الواقع عدة مرات، مرة عندما قرأ القرآن فأبهره لكنه لم يفهم كيف يتسق هذا مع أفعال الرسول محمد الواقعية "يأتي بمثل هذا ويسفك الدماء!"، ومرة ثانية حينما حاول أقاربه استغلال نبوته لتحقيق أهداف سياسية دنيوية فطلبوا منه إعلان أنه هو أيضاً رسول ليحاربوا تحت لواءه، لكنه رفض فكادوا أن يفتكوا به، ومرة ثالثة حينما وصلت حمى الدنيا إلى منزله حين طلب منهم عمرو بن العاص الهجرة إلى مصر لمساعدته في فتحها ..

النبطي الذي عجز عن فهم العالم اختار في النهاية العزلة والبقاء منفرداً بعيداً، في خيار يذكرني بشدة بحي بن يقظان الذي عجز بفطرته النقية عن إصلاح أهل الأرض فعاد مرة اخرى إلى جزيرته ليعيش وحيداً ما تبقى من عمره ..

سألتها أمي: وماذا لو مرو من جانبي النهر معاً واصطحبوا معهم المراكب؟ فارتبكت أم نونا وهي تقول بصوت حانق أنها لا تعرف، ولا أحد يعرف، ولا أحد في بيتها ليحرس البقرة....."

تبدو لي هذه العبارة البسيطة هي محور الرواية كلها .. لا يمثل هذا التحول التاريخي في موازين القوى العالمية بانسحاب الفرس وعودة الروم إلى مصر أي أهمية لسكان ذلك الكفر الصغير المجهول إلا احتمال مرور الفرس أو الروم بهم مما قد يجردهم من ممتلكاتهم البسيطة .. لا يهم ما يحدث في العالم إلا إذا كان ذلك سيؤدي لفقد أم نونا لبقرتها ..

ودائماً هناك بالقرب من البسطاء تلك الطبقة الوسيطة من خدم الحكام مصاصي دماء أهليهم، كبطرس الجابي الذي يعمل في جباية الضرائب من أهل الكفر ولا يغير من وضعه كون السادة هم الرومان أو الفرس ..

في البداية شعرت أنه كان مخيباً للآمال قليلاً أن الرواية لم يكن فيها أي حقائق تاريخية صادمة فعلا كما كان يبدو من دعايتها وكلام يوسف زيدان عنها وقوله أنها صدمته هو شخصياً! .. الحادثة التاريخية الوحيدة الجديدة هي طلب عمرو بن العاص من الأنباط واليهود الذهاب لسكنى مصر تمهيدا لفتحها، وهي فقرة لم تتجاوز بضعة أسطر في الرواية كلها!

ثم فكرت أنه ربما كان يقصد بكلامه الأساطير الميثولوجية المعقدة التي خلف آلهة العرب (اللات) و (ذو الشرى) و (إيل) ، كان لافتاً للغاية بالنسبة لي تلك المعلومات الجديدة التي أعرفها لأول مرة عن أن ديانة العرب الوثنية لم تكن بتسطيح الأفلام العربية عن عبدة الأصنام - اللات لم يكن صنماً أصلاً بل مجرد حجر مكعب الشكل! - بل كانت هذه الأوثان رموزا لأساطير عن الخلق والوجود لا تقل عمقاً وتركيباً عن الميثولوجيا اليونانية والرومانية ..

الثغرة الأعمق في الرواية هي عدم فهم مارية لفقدانها عذريتها على يد الرجل العربي المجهول، ثم عدم فهمها لما حدث ليلة زفافها! .. بغض النظر عن أنه مستحيل منطقياً ألا تكون أمها أو صديقتها دميانة قد أخبراها، فماذا عن كلامها هي نفسها عن خوفها من أن ينتهكها جندي فارسي أو رومي، وكلامها أيضاً في موضع آخر عن منديل دم العذرية الذي يلوحون به؟!

لو كان قصد يوسف زيدان من الأمر هو اسقاطه على حال مصر التي تُنتهك من الغازين وتتحول شخصيتها دون أن تشعر بذلك، فقد أخطأ خطأ كبيراً .. من الممكن أدبياً أن نلوي عنق الإسقاط ليناسب الواقع، لكن لا يمكن أن نلوي عنق الواقع ليناسب الإسقاط! .. هذا لو كان هناك اسقاط أصلاً!

بشكل عام لم أحب الجرعة الزائدة من الجنس الغير موظف، وبشكل خاص لم أحب أبداً خيط التلميح لبدايات العلاقة المثلية بين مارية وليلى - رغم اقتصارها على الجانب النفسي فقط وعدم تطورها للجسدي - شعرت أنها مقحمة على القصة ربما في مغازلة لجهات الترجمة الأجنبية، ولم يقنعني التبرير الذي سافته أنها كانت تبحث في ليلى عن أخيها! .. عندما فعلها بهاء طاهر في (واحة الغروب) كان الأمر يبدو منطقياً في سياق ما تعرضت له مليكة خاصة إذا عرفنا أن واحة سيوة من أهم مناطق سياحة الجنس في مصر، وأيضاً عندما فعلها صنع الله إبراهيم في (وردة) كان الأمر يحمل داخله تبريره خاصة أن شخصية البطلة شيوعية متحررة تمارس الجنس وتشرب الخمر، وفي حالتي صنع الله وبهاء كان التناول مختصرا للغاية وكانت البطلة تشعر باثم ذلك الشعور وتقاومه وترفضه بعنف .. في (النبطي) الأمر أخذ مساحة أكبر من اللازم ثم لا يتحدث مطلقاً عن أي مشاعر ندم أو استغراب من هذه الحالة عند مارية رغم أن هذا هو المتوقع من شخصية بتربيتها وبيئتها!

هذا الخيط كاملاً أرى أنه من الأفضل أن يُحذف ..

حرص زيدان في طيات الرواية على أن يدس ضمنياً قناعاته الخاصة وأفكاره المتكررة في أعماله وكتبه السابقة، كفكرة تقديس الأنثى ومكانتها العظيمة في الديانات القديمة، وكفكرة استغلال الدين سياسيا .. ربما أيضاً تعمد تكرار الحديث عن الزام العرب لنسائهم باسدال النقاب على وجوههن وارتداء السواد، ملمحاً بشكل ضمني للغاية على كونه عادة لا عبادة ..

نهايات الرواية " التي كتبت قبل البدايات" كما يقول في صفحها الأولى كانت أسطورية كما ينبغى لها أن تكون .. نهاية أم البنين بعد طوافها باللات، ونهاية بنيامين الذي جرفته الدنيا كثيراً حتى أفاق بعد صدمة موت والدته ليتخذ الطريق المضاد تماماً فيدخل سلك الرهبنة في الدير، ونهايتا النبطي ومارية، مارية التي رفضت أكل الغزال الذي رأت حاطب يصطاده كانت تحمل منذ البداية بذور النقاء والبراءة المماثلة للنبطي لذا اختارت أن تعود إليه ليموتا ويولدا من جديد هدهدين ..

في رأيي الرواية ككل أقل في المستوى من عزازيل وأتت مخيبة لآمال من توقع قراءة تحفة ابداعية خالدة، لكن هذا لا ينفي أنها جيدة للغاية ولم أندم على نقودي ووقتي

Facebook Twitter Link .
2 يوافقون
اضف تعليق