مراجعات ولدت هناك ولدت هنا > مراجعة إيمان الدواخلي

ولدت هناك ولدت هنا - مريد البرغوثي
تحميل الكتاب
ولدت هناك ولدت هنا
تأليف (تأليف)
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • مراجعة جديدة
  • اقتباس جديد
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


0

هي سيرة ذاتية وليست رواية بالمعنى المتوقع - أو ربما كما عرَّفها الكاتب في إصداراته في نهاية الكاتب بمجرد كونها نثرًا. سطرها في 272 صفحة، وترجمت أيضا إلى الإنجليزية

. ولنبدأ بتلك العبارة، التي أعتقد أنها حقيقة الحافز الذي حرك الكاتب لإنجاز هذا العمل: "إن أقسى درجات المنفى أن لا يكون الإنسان مرئيا. أن لا يُسمح له بأن يروي حكايته بنفسه. والشعب الفلسطيني يرويه أعداؤه ويضعون له التعريف الذي يناسب حضورهم وغيابه

يحكي مريد البرغوثي رحلة تعني الكثير للأب، الذي طرد من وطنه، وأراد لابنه، الذي يحمل جنسيته اسما، دون أن يشم طين الوطن، أن يرى ماهية انتمائه، ويحقق ذلك الانتماء في نفسه، فأخذه يزور ما يحمل ذكرياته هو، وهو يسأل نفسه عن وقع الأماكن بلا ذكريات في نفس ابنه، وأكثر ما برز ذلك حين أراد ابنه الصورة، فصدمه أن يكون كل ما عاشه كواقع عادي يروح ويغدو مطمئنا إلى طبيعية وجوده، هو مَعلَم يزوره ابنه كسائح ويطلب التقاط صورة تذكارية له فيه. التداعيات كثيرة واللقطات جميلة، لكن عاب بعض الأجزاء خطابية، لا آخذها عليه، فمن ذا يمكنه أن يتكلم عن فلسطين دون بعض منها، لكنها زادت كثيرا في بعض الأجزاء.

الحوار كان يحتاج مراجعة، إذ تأرجح بين العامية والفصحى، والأفضل لو ثبت على إحداهما، وأحبذ العامية، فذلك يجعلنا نرى المشهد أكثر باللهجة الفلسطينية. ربما أجمل حوار في العمل ذلك بينه وبين صاحبه، إذ يحدثه مريد عن عرض المنظمة عملا ما عليه ويلخص الحوار المتفكه حال المنظمة وأحوال الفساد في خفة أقرب للجنون. حوار آخر حين يقتربون من عبور الحاجز الأمني ويختلط الواقع بالهذيان الفكري في ملاقفة للكلمات تجعل القارئ يلهث لفرط الانبهار بحقيقة الهذيان وهذيان الحقيقة.

في تلك الرحلة جاء ذكره لزوجته (الكاتبة رضوى عاشور) في مواضع قليلة جدا، ولكنها جعلتها إحدى بطلات الكتاب الملفتات للغاية، بتلك المواقف الصغيرة غير المكتملة، التي تحكي كثيرا، وتعرِّف شخصيتها، ربما أكثر مما لو كان كتبها، وجاء ذلك موفقا جدا، إذ لم يشوش الرحلة، وركز في تداعيات ذكرياته على ما كان على نفس الطريق والأماكن، فكان ما أراد في الأساس- كما أرى - أن جعل روح المكان بطل الحكي لا هو ولا ابنه ولا أيٍ من شخصيات العمل.

من أجمل اللقطات، التي كدت أسمع ضجيجها وأحس حرارتها في توهج وجهي انفعالا معها ذلك اللقاء الشعري في دير غسانة.. على اختصار المشهد - الذي أراه جاء موفقا لاتقاء الخطابية وإعلاء إحساس الموقف- قال أكثر مما يمكن أن يحكي الوصف المسهب.. وصلني إحساس الأب بابنه تميم.. إحساس شاعر أنجب شاعرًا .. إحساس فلسطني منفي بفلسطينية ابنه، الذي لم ير فلسطين من قبل.. إحساس بزوجته، التي لم تأت معهما ولكنها موجودة بقوة في المشهد.. إحساس الحاضرين (المتعبين) أيضا حين أخذتهم الكلمة من متاعبهم.. هو مشهد يقول بقوة إن هذا القلم كان له أن يصبح من أقوى الروائيين العرب إن تمرس القص أكثر.. لكن كان انتماؤه للشعر ربما يحجب تلك الموهبة.

الموت في غربة إجبارية.. هل سيدخل الجثمان؟ هل يجوز لهم لف التابوت بالعلم؟.. وعجبا للارتياح حين يعود من مات ليدفن في تراب الوطن لينبت من ذاك التراب أطفال جدد. لقطات الموت في العمل تثير الكثير في النفس. لكن تداعيات الذكرى، حين يحين الكلام عن الموت تأخذ الكاتب من موقف إلى موقف إلى موقف فيشتتنا عن السياق الأصلي للرحلة، ولكن بلا نكران لمتعة الحكي الحزين في هذا الجزء، فمرة يسكرنا بمفاضلة الإيدز والسرطان، ويالها من مفاضلة!.. وأخرى حين يقول: وبرتقالة واحدة بجوار سرير الشاعر ينظر لها أحد العابرين بنفور لأنها "برتقالة مريض".. فأي تجلي لتناقضات النفس ولرزحها تحت العمى هنا.. هذا وغيره من اللقطات، لكن يظل التشتت يعاب عليها رغم المتعة..

الكاتب في هذا العمل يعنى بقضيته ليس بالحكي فقط، ولكن بكشف بعض النقاط، التي يرى أن الإعلام يروجها في جهل، وينتصر للرأي الإسرائيلي المحتل فيها، دون محاولة لإدراك مدى خبث المسميات والإجراءات والتخطيطات، أو ربما كان ذلك لا يشغل الإعلام العربي من الأصل! ذلك بينما يطلق الكاتب نفسه بعض التسميات ما أصدقها من قلم يعرف جيدا ما يكتب عنه مثل قوله: "... رغم انهم كالعادة تعلموا أن يتجاوزوا أوجعاهم بسرعة. ففي الصراعات الطويلة يعيش الطرف الأضعف ما يمكن أن أسميه "وجعا تاريخيا".

فصول من الكتاب قاطعت الرحلة وليس فصلا.. بدا ذلك أيضا مثبتا لفكرة السيرة الذاتية أو ربما حتى الكتابة المقالية.. الكاتب على ما يبدو يستمتع كثيرا بقلمه وورقه، ويريد القضية وليس لونا أدبيا أو تخصصا للكلمات. قال يصف علاقته بالكتابة في فقرة رائعة يصف فيها خلوته مع بافاروتي في جهاز التسجيل، وقفزات خياله يصورها بمجموعة من الصور المبهرة، وليأتينا بجملة معبرة جدا عن صاحب القلم إذ يقول: وهل تستمد الكتابة قيمتها إلا من المحذوف، الذي تعمدنا حذفه.. ليتجلى!

ثم ينتهي الكتاب ولم نعد للرحلة إلا وسط التداعيات حين نرى تميم البرغوثي بين يدي الداخلية المصرية، ويستغرق الكاتب بعدها في محاضرة سياسية يستكمل رؤيته، و... نحزن أن انتهى الكتاب ولم تنتهي المعضلة

Facebook Twitter Link .
4 يوافقون
اضف تعليق