من حديث النفس

تأليف (تأليف)
نحو نصف مقالات هذا الكتاب كتبها صاحبها في عقد الثلاثينيات، وقد نُشرت أقدمها في عام 1931. ونحن نجده -في تلك المرحلة من حياته- في توثب لا يفتُرُ وهمّةٍ لا تنِي، وإن المشاعر لتضطرم في نفسه حتى ما يطيق حملها فيبثّها في ثنايا الصفحات وينشرها عبر سطور المقالات. ها هو ذا يعرض -في عام 1933- شهادته الجامعية للبيع: "... فيا أيها القراء الكرام، إني أعرض شهادتي ولقبي الكريم للبيع برأس المال (الرسوم والأقساط)، أما فوسفور دماغي، وأيام عمري، فلا أريد لشيء منه بديلاً، وأجري على الله. فمَن يشتري؟ شهادة بيضاء ناصعة كبيرة، خطها جميل، ذات إطار بديع. جديدة (طازة)! مَن يشتري؟!". وها هو ينعى عيده في مقالة "عيدي الذي فقدته" فيقول: "يا آنسين بالعيد، يا فرحين به! هل تسمعون حديث رجل أضاع عيده، وقد كانت لكم أعياد؟ أم يؤذيكم طيف الشجى إذ يمرّ بأحلام أفراحكم الضاحكة؟". وفي "زفرة مصدور": "ما أضْيَعَ أيامي في مدرسة الحياة إن كان هذا كلَّ ما تعلمت منها في ثلاثين سنة! اللهمّ إني قد نفضت يدي من الناس، وإني أسألك أمراً واحداً؛ ألاّ تقطعني عنك، وأن تدلّني عليك، حتى أجد -بمراقبتك- أنس الدنيا وسعادة الآخرة". وفي "زفرة أخرى": "... ولكني كرهت أن أتوكأ في سيري إلى غايتي على غير أدبي، ونزّهت نفسي عن أن أجعل عمادي ورقة صار يحملها الغبي والعيي والجاهل واللص الذي يسرق مباحث الناس ويسطو على آثارهم... لقد صرت كالعجوز الذي حَطَمه الدهر وفجعه في أولاده فسيّره في مواكب وداعهم الباكية. وما أولادي إلا أمانيَّ، وما قبور الأماني إلا القلوب اليائسة. فيا رحمة الله على تلك الأماني!
عن الطبعة
  • نشر سنة 2008
  • 310 صفحة
  • ISBN 2194012447
  • دار المنارة
4.4 38 تقييم
206 مشاركة
تفاصيل احصائية
  • 6 مراجعة
  • 11 اقتباس
  • 38 تقييم
  • 65 قرؤوه
  • 61 سيقرؤونه
  • 15 يقرؤونه
  • 6 يتابعونه
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم

 
5

هناك من الكتب ما لا ينفع معه تقييم، بل ولا ينفع معه تعقيب أو مُراجعة. كتب تقرأها كي تدعوك للتأمّل، للغرق في لُجّها دون الرغبة في الإنقاذ. تتماهى مع كاتبها حتى إنك لتشعر بأن الكاتب يتحدّث عنك، بل وقد تتخيّل أنك من كتبت هذه الكلمات في غفلة منك!

لا أدري لماذا تأثرت بهذا الكتاب بشدة، وكأن الكاتب الذي يرثي حاله، كان أيضاً يرثيني؟ هل لأنني أديب أو هكذا يُهيأ لي؟ هذه الأفكار المتصارعة التي تدق في الرأس كطبول معركة لا أعرف طرفيها، وكأنهم تركوا الدنيا وما رحبت كي يتصارعا في عقلي! أم لأنه مَسّ وتر المعضلة التي تدور داخلي بين كشف أسرار حياتي لمشاركة من يقرأني وبين الاحتفاظ بها داخلي فتثقل عليّ، فالأديب ليس كسائر البشر فهو لا يستطيع التسرية عن نفسه إلى بالبوح على الورق. أم لعلّ السبب هو إعجابي بشخصية الكاتب التي اجتمعت فيه ملكة الأدب وحُب الثقافة وعمق الدين وأصل اللغة وفصاحة الأسلوب وخفّة الدم.

رغم أنني ضحكت من قلبي على موقفين في فصلين في الكتاب، إلا أن الكتاب به طاقة عالية من الحزن والشجن، وكيف لا والكاتب يحنّ إلى ماضيه في كل يوم وفي كل مقال يكتبه. هذا التعلّق القوي أشجاني فكيف لا يشجنه؟ حتى شعور الوفاء يؤلمه كما آلمني كلما تذكّر أحد مدرسيه أو أصحابه أو أهله، سوّاء غيّبه الموت عنه أو غيّبته مشاغل الدنيا.

أكاد أشعر بحنينه إلى وطنه بالشام دمشق، يبكي عليها وعلى أيامها وبيوتها وأهلها الطيبين. إن كان هذا حاله فسببه أنها بلدته وفيها قضى طفولته وساح في شوارعها وتعلّم في مدارسها، فما بالي أنا الذي لا أنسى دمشق رغم حداثتها التي بكاها الشيخ؟ فأنا آخر عهدي بدمشق كان منذ عشر سنوات، ولا يكاد يمر اسمه الشام حتى يملأني الحنين وأظل أحكي عنها لمن حولي حتى أصابهم الضجر من حكاياتي. فلمّا قرأت ما كتبه الشيخ عن أماكن دمشق، تجسّد الماضي أمامي وتذكّرت تأملاتي على قمّة جبل قاسيون أشاهد من طلّته البهيّة شوارع دمشق، تذكّرت ثانوية مكتب عنبر الذي دخلتها وشاهدتها بأم عيني. مشيت في حارات دمشق القديمة وسحت في أحياءها، أتخيّل في عقلي أنني انتقلت إلى زمن ليس بزمني أستقي من قراءاتي وحكايات الناس معلومات وتفاصيل تجعلني أرى ما قد أخفى الزمن ملامحه عني. بيد أنني لم أكن قد قرأت للشيخ علي الطنطاوي من قبل حينها، فندمت الآن على ذلك فقد كنت فاقداً لعمق تاريخي ثقافي لبلدة هواها فؤادي. لكن كلما ذكر الشيخ مكاناً فيها شعرت بأنني أراه بعيني وكأن حديثه قد استحضر ذكريات الماضي داخلي ليبث فيها الحياة. فهل سكنت دمشق روحي دون دراية مني؟

كل مكان كنت قد ذهبت إليه هناك لا يزال يناديني: باب توما – سوق الحميدية – سوق مدحت باشا – البزورية- الحريقة- ساحة المرج – مقهى النوفرة- ضريح صلاح الدين الأيوبي وقلعته– حمّام نور الدين الشهيد – حي الأمين – حي الميدان. دخلت بيت من بيوت دمشق القدمية التي حكى عنها الشيخ وأعرف ما يتحدث عنه عندما وصف بيت عمّه في العفيف، والذي بالتأكيد كان أجمل مما قد شاهدته أنا. أما الجامع الأموي – أحد عجائب الإسلام السبعة في العالم – فله في نفسي ذكرى وحنين، وكأن طاقته النفسية التي شعرت بها في أول دخول لي لحرمه قد حلّت بي ولم تتركني.

فكيف بعد كل ذلك ألا يؤثر في هذا الكتاب، وألا يعتريني الشجن والحزن والحنين؟

وما هذه بمراجعة للكتاب، ولكنه تعقيباً لما اعتمل في نفسي بعد أن قرأته.

أما توصيتي... اقرأوا هذا الكتاب بقلوبكم، وتأمّلوا أفكار الكاتب، فهي تكاد تُعبّر عمّا في نفوسنا جميعاً، ولكن باختلاف الأسماء والأماكن والأزمنة.

تقييمي 5 من 5

أحمد فؤاد

0 يوافقون
اضف تعليق
4

" لقد كرهت الحياة ،

وزادها كراهة إليّ هؤلاء الناس ، فلم يفهمني أحد ولم أفهم أحداً. إن حزنت أعرضت عنهم مشتغلاً بأحزاني قالوا : متكبر ! وإن غضبت للحق فنازعت عنه قالوا : شرس !

وإن وصفت الحب الذي أشعر به كما يشعرون قالوا : فاسق! وإن قلت كلمة الدين قالوا : جامد . وإن نطقت بمنطق العقل قالوا : زنديق . فما العمل ؟ إليك يا رب المشتكى "

،

،

أقل ما يقال عن الكتاب " رائع. "

مقالات للأديب و الشيخ علي الطنطاوي

فيها خلاصة تجاربه الحياتية

1 يوافقون
اضف تعليق
4

هي مجموعة مقالات نشرت أو أذيعت عن الكاتب وحديثه لنفسه عن بعض ما يعتمر بصدره، عرفت من خلاله طريقة عيشه وعمله وتعلمه الأدب والاشتغال به وهو لا ينشر حديثه لنفسه من باب حبها والفخر بها إنما هذا ما يقتضيه العمل بالأدب، أعجبني أسلوبه وهو سهل وصريح لامست حروفه قلبي، وعرفت كيف كان الأدب في عصره، كانت تجربه رائعة مع الكاتب.❤

.

0 يوافقون
اضف تعليق
4

رحم الله شيخنا الحبيب

كتاب "من حديث النفس" من الكتب التي لاضجر معها، إنك لتمسك الكتاب ولاتقدر على تركه حتى تنتهي منه . ولكن مشاغل الدنيا كثيرة

ستجد فيه الكثير الكثير من الحِكَم والعِبر التي ستحتاج لوقت طويل حتى تصل إليها وتفهمها لكن الشيخ رحمه اهدانا إياها وهو يعلم ماللأديب من شقاء لإيصال الفائدة للمستمعين والقراء.

لغة الكتاب بسيطة وجميلة، تلمس المشاعر كباقي كتب الشيخ. التواضع والحكمة طاغية على جمله والكبر ورذيلة ابعد ماتكون منه.

بالطبع انصح انا العبد الفقير احد المحبين للشيخ بقراءة هذا الكتاب والدعاء لكاتبه

1 يوافقون
اضف تعليق
4

علي الطنطاوي رحمة الله عليه ... المفكر والأديب الإسلامي رقم واحد... ولا أحد يشابهه في أسلوب الكتابة....وكتبه هي حديث الأب العطوف والجد الحنون... حديث يخالطه الحب والمودة والأبوة... حديث يطرق قلبك قبل عقلك...

هي خواطر جالت في نفس علي الطنطاوي فأحب أن يشاركنا إياها فلعل أحدنا يجد فيها متنفسا من ضائقة أو تسلية عن هم أو كرب... وهي أقرب للحقيقة والصدق منها إلى الكمال والمثالية...

والحقيقة أن تاريخ هذه الخواطر يعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.. ومعظمها إما نشر في إحدى المجلات أو تم إذاعته على الراديو...

شعرت في كثير من هذه الخواطر وكأنها تخاطبني أو تتكلم عني.... وعلى الرغم من قدم هذه الكلمات فإنها لا تزال نابضة بالحب والصدق وصفاء الروح....

كتاب جميل أنصح به...

4 يوافقون
1 تعليقات
 
 
 
 
المؤلف
اقرأ المزيد عن المؤلفين
عن الطبعة
  • نشر سنة 2008
  • 310 صفحة
  • ISBN 2194012447
  • دار المنارة