أنصاف مُرة
تأليف/ أمل العشماوي
---------------
* بطاقة تعريف الكتاب *
التصنيف الأدبي/ رواية اجتماعية.
التصنيف العمري/ +١٨.
اللغة/ الفصحى.
دار النشر/ المحرر للنشر والتوزيع.
تاريخ النشر/ يناير ٢٠٢٦.
عدد الصفحات/ ٢٢٤ صفحة ورقياً.
---------------
* قراءات سابقة للكاتبة *
( الحياة بعيون المنسيين ) - مجموعة قصصية.
( كفن حرير ) - مجموعة قصصية.
( زهور برائحة الموتى ) - رواية.
( غبار الملاك ) - رواية.
( جدران أكلتها الديدان ) - رواية.
( جثة على الهامش ) - سلسلة المترصد.
---------------
* نظرة على الغلاف *
لوحة فنية جميلة تعبر بشكل كبير عن مضمون الرواية.
الغلاف من تصميم/ إسلام أحمد.
---------------
التقييم في كلمات:
الدرجة: ٩ من ١٠
المستوى: 💫💫💫💫💫
التقدير: امتياز
---------------
* المميزات / نقاط القوة *
- مواجهة مباشرة مع قضية اجتماعية شائكة.
- تجربة سردية مُركزة ، مكثفة بلا اغراق في فرعيات.
- لغة سرد تميل الى الشاعرية في الوصف.
- نهاية مفتوحة تترك للقارىء مجالاً واسعاً للتوقع والتخمين.
----
* الملاحظات *
- لغة الحوار تثير تساؤل حول أفضلية استخدام العامية على الفصحى.
- هناك بعض المشاهد المؤلمة والعنيفة التي قد تشعرك بعدم الراحة بعض الشيء.
---------------
* رسالة الرواية *
لن يأتي الفارس ليقضي على الوحش وينقذ الأميرة المحبوسة في زنزانة الحياة الظالمة. على الأميرة ان تشحذ قواها وتستغل ذكائها للهروب من واقعها الرديء.
---------------
مراجعة الرواية:
المكان: الاسكندرية.
الزمان: ما بعد ٢٥ يناير ٢٠١١ وما قبل فترة الكورونا.
الحدث: انصاف حيوات تبحث عن اكتمال وقبول مجتمعي وانساني.
هذة المرة مع معضلة اجتماعية اخرى مسكوت عنها. وصمة عار تلاحق المصابين بها دونما ذنب اقترفوه. مجتمع يلفظهم ، وقوانين قاصرة واجراءات تصحيحية غارقة في الروتينية.
لا طريق سوى الهروب لكنه طويل وشائك ونهايته ليست مضمونة بالقدر الكافي.
كيف تواجه بطلة الحكاية هذا المصير البائس ؟.
هيا بنا نلقي نظرة عن قرب.
* الفكرة / الحبكة * ( درجة ونصف )
هذه الرواية تقدم تصور مختلف للقصة الكلاسيكية الشهيرة للأميرة التي تنتظر فارسها المتوهم الذي سيأتي يوماً ما وينقذها من الأسر بعد القضاء على الوحش الذي يحرسها.
( الأميرة )
رمزية للمرأة في مجتمعاتنا الشرقية. ما بالك لو كانت تلك المرأة مُختلفة لأسباب خارجة عن ارادتها ؟.
( الوحش )
هو رمز للقيود المجتمعية المتحجرة التي تربط مصير المرأة والحكم عليها بالسعادة او الشقاء برضوخها وقبولها بالفتات حتى في أبسط الحقوق لكونها خُلقت امرأة فقط.
( الفارس )
هنا رمزية لمعجزة ما او قوة خارجية قد تأتي نتيجة لظروف مؤقتة والأغلب انها لن تأت من الأساس.
تحاول أمل العشماوي في حكايتها الجديدة ان تطرح عدة تساؤلات على المرأة المعنية بالمشكلة في الأساس:
- كيف ستواجهين مجتمع لا يقبل الاختلاف من الأساس ؟. ما بالِك لو كان اختلافك الذي جُبلتي عليه دونما ذنب اقترفتيه وصمة عار مجتمعية لن تزول حتى لو تم تصحيحه ؟.
- متى وكيف ستمتلكين الارادة الكافية لتقرير المصير في مجتمع تسيطر عليه عادات وتقاليد بالية ضربت بالشرع والقوانين عرض الحائط فقط لكونك انثى ؟.
حاولت أمل تقديم اجابات كالأتي:
- طريقة الفارس او المعجزة التي خلقتها ظروف ما وساعدت على المواجهة وايجاد الحلول.
- طريقة الأمر الواقع ولا مناص من تقرير المصير بدون اي مساعدات خارجية.
ست نساء على اختلاف طبقاتهن الاجتماعية ومستواهن الثقافي والفكري على موعد مع سابعتهن في مواجهة صادمة - لا تخلو من الأسى ، القهر والقسوة - نتائجها ستحدد وبشدة من منهن تملك القدرة على انتزاع نصف حياتها المسلوب ومن ستظل أسيرة النصف المُر.
* السرد / البناء الدرامي * ( درجتين )
قدمت أمل نفسها كراوي عليم للحكاية يقدم المشكلة في اطارها العام ويضع التشخيص المنطقي لها وطرق الحل. لكنها تترك لبطلاتها حق اختيار العلاج الأمثل في نهاية الأمر.
انقسمت الحكاية الى ثلاثة أقسام رئيسية
( ابنة الغيم )
يمكن وصفه برؤية عامة او صورة عريضة لحالة النصف حياة التي تعيشها المرأة في المجتمع. سنجد ٦ حكايات تدور في فلك محدد حول نقطة مركزية تمثل عامل الجذب والشد الذي يضمن عدم الخروج عن المدار الرسوم لها.
اتسم السرد في هذا الجزء بالهدوء الشديد. شذرات من صخب هنا وهناك تنذر بحالة من الضغط القابل للانفجار في اي وقت. حالة اشبه بهدوء ما قبل العاصفة. بعد انتهائي من قرائته وجدت نفسي عاجزاً عن الخروج بانطباعات محددة حول النص.
اذن لا بديل عن استكمال الحكاية.
( زغرودة للذكر )
هنا نترك الصورة العامة ونغوص مع التفاصيل. العمود الفقري للرواية يظهر جلياً هنا تحديداً مع قضية حساسة جداً يرفضها المجتمع جملةً وتفصيلاً.
قدمت أمل تصوراً دقيقاً لنصف حياة لاحدى بطلات الحكاية. حياة مُرة ومشوهه بين ما جُبلت عليه وبين ما فرضه المجتمع عليها كي تنجو بنفسها.
غلب على النص حالة من التناقض تتسق مع طبيعة شخصية البطلة وحياتها الغريبة تلك. ارتفعت وتيرة الصخب وكنت مخطئاً عندما ظننت ان ما سبق كان هدوءاً. اتضح انه كان اشبه بالمُزلق اللازم لتسهيل عملية ادخال الخازوق الادبي - اذا جاز التعبير ، وعذراً على التشبيه لكنني لم اجد وصفاً اخر يصلح - بسلاسة الى عقل واحشاء القارىء. ( من الدار للنار ) كما يقول المثل الشعبي المعروف.
هذا القسم هو المنوط بتشخيص المشكلة كما تراها أمل.
( قربان البركة العرجاء )
نصل لطرق العلاج. قدمت العشماوي نوعين من الحلول. حل على طريقة انتظار چودو. حل مريح وسحري لكن حدوثه اشبه بالسراب في صحراء الحياة الحارة القاسية. رغم هذا قدمته باعتباره دليل ارشادي يعطي بطلاتها تصوراً عما يمكن حدوثه في حال اختاروا الحل الأخر الواقعي. فقط لو آمن بأنفسهن وقدرتهن على المواجهة.
طبيعة السرد في هذا الجزء قاسية ، مؤلمة ، حارقة ودامية جعلتني اتوقف قليلاً عن القراءة عند نقطة بعينها سيفهمها القراء من الذكور على وجه الخصوص. الجزاء من جنس العمل. هكذا تقتضي العدالة الشعرية لكنها غير موجودة بشكل يكفله القانون على أقل تقدير.
ماذا سيفعلن بطلات حكايتنا ؟. سنتوقف هنا قليلاً حتى نصل لعنصر النهاية في ختام المراجعة.
- الإيقاع السردي:
رغم حالة التنافر بين الهدوء الشديد تارة وبين الصخب الواضح الا ان ايقاع السرد كان منضبطاً. لن تجد بطء في التنقل بين احداث القسم الأول الهادىء ، ولن تجد تسارع في القسمين التاليين.
هو شيء يُحسب للكاتبة انها استطاعت الحفاظ على نسق وايقاع ثابتين على اختلاف الظروف المحيطة بالحدث.
- البناء الدرامي:
كما أشرت سابقاً فالنص اشبه بالمجموعة الشمسية في مجرة ما. هناك شمس رئيسية ( فتاة المركز ) تدور حولها كواكب ( ٦ سيدات ) في مدارات ثابتة يستمدن منها الدفء والقوة.
ماذا بعد ان تغيب الشمس للأبد ؟ على الكواكب ان تحدد مصيرها بنفسها والاختيار بين الضياع في غياهب الكون او الاستقلال واعلان نفسها شموساً قائمة بحد ذاتها. الإجابة مرهونة بما تقرره كل امرأة لنفسها.
* الشخصيات * ( درجتين )
انماط بشرية - نسائية خاصة - متعددة شملها النص. تنوعت نساؤه وتباينت بين الحرية المطلقة والحرية المشروطة.
( حبيبة ) هي نقطة المركز. فتاة رفضت عالمها المؤطر بضوابط محددة وسقطت في حالة اشبه بغيبوبة حياتية.
( وسام ) فتاة تعيش حياة هجين. تسعى للتحرر والبحث عن هوية وكينونة واضحة تمزقها داخلياً وخارجياً مع رفض مجتمعي صارم وعدم تقبل لحالتها.
( هبة ) امرأة بديلة أرغمت على ان تصبح زوجة وأماً لما تقتضيه الاعراف المجتمعية بعد موت اختها.
( أم حمزة ) سيدة لا هم لها الا نجاة شفاء ابنها من ورم يفتك بمخه الصغير.
( أم ماجدة ) سيدة رهينة زوجها العابث الذي يبحث عن ملذاته الشخصية ولا يعبأ بها او ببناتها.
( العاهرة ) فتاة متحررة اختارت هذا الطريق بملء ارادتها لكنها دائماً ما ينازعها شعوراً بالرغبة في الخلاص.
( الوزيرة ) سيدة تصل لمنصب هام في مجتمع مُشبع بأفكار متحجرة لا يؤمن بتولي المرأة لمناصب قيادية.
على هذا التباين والاختلاف فما يجمعهن هو عامل مشترك يتمثل في العيش بنصف حياة. لن تجد الكثير من التفاصيل والخلفيات حول كل كل شخصية فهذا ليس بالشيء المهم هنا. ما يهمنا بالمقام الأول هو ان نستشف كيف تتعامل كل واحدة منهن مع حياتها المنقوصة.
من اختارت حريتها الكاملة تتساوى مع تلك الباحثة عن قدر يسير منها يتيح لها التنفس. من تملك المنصب الكبير الذي يُخضع الجميع لها على نفس القدر من المساواة من اخرى خاضعة. هناك شِق ناقص وغير مكتمل يبحثن عنه دائماً.
ما حاولت ان توصله أمل العشماوي هنا هو ان الحرية ليست فقط السبيل للانسان لكي يفوز بحياة اقرب للكمال. الأهم هو المجتمع المحيط الذي يؤمن بأهمية تلك الحرية. يؤمن بالحق في العدالة والمساواة بين الجميع دون النظر الى النوع. مجتمع يرفض الانتقائية وتطويع شكل حياته طبقاً لمعايير مختلة.
ظلت نسوة الحكاية تدور في اطار مجتمعي محدد ولا يسعين للتفكير في ايجاد حل شاف. هن انعكاس لحالة المجتمع بأكمله في نهاية الأمر. مجتمع ينتظر الحل من الخارج فيما يشبه المعجزة او السحر. وحتى عندما وجدن تلك المعجزة الشافية ظللن أسيرات لها دون اي محاولة للتحرر وعندما اختفت وانتهت الحلول السحرية لم يتبق لديهن سوى لحظة الحقيقة. ماذا انتن فاعلات ؟.
* اللغة / الحوار * ( درجة ونصف )
هذه المرة ركزت الكاتبة على أسلوب لغوي مختلف عن ما سبق وقدمته في كتاباتها السابقة عموماً والاجتماعية خصوصاً.
تميل لغة السرد الى حالة من الشاعرية في معظم الاحوال. وصف الحالة الذاتية لما تبر به بطلات الحكاية والمشاعر والأحاسيس التي تنتابهن طيلة الوقت ، كل هذا جاء بشكل ملىء بالعديد من التراكيب اللغوية الجمالية التي تعتمد على التشبيهات البلاغية المؤثرة.
هذا ليس بالشيء السيء على الإطلاق نظراً لطبيعة النص وشخصياته. كذلك جاءت اللغة معاصرة ومواكبة لزمنها.
على صعيد لغة الحوار انتابني تساؤل هام. هل كان الأفضل ان يكون بالعامية ام بالفصحى كما قدمته الكاتبة. احياناً اجد نفسي اميل لاستخدام العامية في مواقف محددة وفي احيان اخرى ارى ان الفصحى هي الانسب.
بشكل عام لا غبار على لغة العشماوي وهذه المرة فالمتعة زادت نوعاً مع تبنيها لأسلوب كتابة مختلف.
* النهاية * ( درجتين )
لا توجد معجزات. لا يوجد حل سحري. هذا هو الواقع وهنا اخرجت الكاتبة نفسها من معضلة الحل.
تركت العشماوي الكرة في ملعب شخصياتها وهن المنوطات بتسديدها على المرمى الذي يتوائم ونظرتهن لماهية الخلاص.
نهاية مفتوحة ؟. بشكل عام نعم. بشيء من التدقيق يمكن للقارىء ان يستشف طبيعة الحل الذي ستلجأ اليه بطلات الحكاية وهو ما سيحدث على الأغلب.
في الختام تذكر امر هام. كما توجد أنصاف حيوات مُرة توجد انصاف نهايات أكثر مرارة وعليك وحدك تقع تبعة اختياراتك !.
---------------
ختام:
أمل العشماوي كعادتها جريئة ، مقتحمة لا تبحث عن أنصاف حلول بل تسعى للمواجهة المباشرة فهي أقصر الطرق للحل.
في انتظار المواجهة القادمة.

