منذ القدم ومصر دولة كوزموبوليتانية، تمازجت فيها الشعوب واختلطت بإرثها الشعبي من الحكايات والأقاصيص كما تمازجت الأسطورة بالتاريخ والخيال بالواقع.
وقد دون سعادة يعقوب باشا آرتين -أحد أبرز المثقفين المصريين الأرمن في القرن التاسع عشر- كتابه في أكتوبر من عام ١٨٩٣ في محاولة منه لتوثيق ما تناقلته الألسن شفهيًا عبر الأزمان من أساطير شعبية كان يصغي السمع إليها في استمتاع غامر
وكان مشروعه في جمع أساطير وادي النيل مشروع بحثي وثقافي يسعى إلى فهم الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة.
كان يدرك أن مصر لم تكن يومًا جزيرة منعزلة، بل ملتقى شعوب آسيوية وإفريقية ومتوسطية، وأن كل شعب ترك بصمته في الذاكرة الشعبية.
لذلك جاء تقسيمه للحكايات إلى مجموعات تمثل تأثيرات فارسية وهندية ويونانية وسامية وإفريقية. هذا المنهج يمنح القارئ رؤية شاملة عن كيفية تشكُّل الهوية الثقافية المصرية بوصفها هوية مركَّبة، لا تقوم على عنصرٍ واحد وإنما تفاعلٍ طويل ومستمر بين شعوب المنطقة.
لكن كل منها تميز وانفرد في أدواته وسماته، فالأساطير الموروثة من بلاد فارس تأثرت بالعقيدة المانوية، بينما انفردت الأساطير الإفريقية بسيطرة الغول وقوته الغاشمة رمزًا لقوى الطبيعة الغاضبة.
ورغم تنوع الحضارات والشعوب إلا أننا نلاحظ وجود عناصر أسطورية مشتركة كالبطل الذي يواجه الشر، الأم الحامية، الغول رمز للفيضانات أو الأخطار، الحيوان المتكلم، العفريت الذي يظهر في هيئة إنسان أو حيوان، الإنسان المسحور على هيئة حيوان وصراع الخير والشر الذي يعبر عن صراع الإنسان مع قوى الطبيعة.
الكتاب مقسم لأربع أقسام رئيسية معنونة
اندرج تحت تلك العناوين الأساطير التي تنتمي إليها، كلًا منها في مجموعة بالإضافة إلى قسم أخير، هو الخامس، الذي حوى أساطير المصريون الأصليون.
في القسم الأول، نجد الحكايات التي دخلت مصر عقب هجرات الشعوب الآسيوية تحت عنوان ( المجموعة الأولى: الآريون الشرقيون )
أما المجموعة الثانية من الحكايات، فيتجلََّى بدخول الحيوانات في الروايات في تأثُر جلي بحضارات( الآريون الشماليون) بتأثيرهم الأوربي.
بينما تندرج المجموعة الثالثة من الأساطير تحت عنوان أساطير السامية، وقد اتسمت بالوعظ والإرشاد وقد جاءتنا من العرب البدو، واليهود، بل ومن البربر القاطنين صحاري بلاد المغرب واكتسبت مع الزمن أبعادًا دينية.
أمَا المجموعة الرابعة من الحكايات فمصدرها زنوج إفريقيا الوسطى. وهنا قد انفرد دور البطولة للغول.
طوال مدة قراءتي وقد صدحت في الخلفية الموسيقية أوتوماتيكيًا مقطوعة شهرزاد للمؤلف الموسيقي الروسي ريمسكي كورساكوف بينما تشوش عقلي بصوت رخيم عميق للقديرة الراحلة زوزو نبيل حين كانت تتفوه بمقدمة حكاياها، قائلة: " كان ياما كان" عند كل مرة تقع على تلك المقدمة عيناي.
كتاب في غاية اللطف الممزوج بالجنون، فكلنا نتلذذ بالحكايات ونبحث على الحكمة في ثنايا أحداثها حتى وإن اتسمت بالجنون واللا منطقية.


