في هذه الرواية لا يُطرح الألم بوصفه حادثة عابرة، بل كإرث خفيّ، ينتقل من جيل إلى جيل كما لو كان قدراً مكتوباً على نساء بعينهن. سؤال التوارث هنا ليس مجازياً فحسب: هل يمكن للألم أن يُورَّث كما يُورَّث المال والجاه والسلطة؟ وهل ترث الحفيدات وجع الجدّات، أم أنّ نساء عائلة الدالي كُتب عليهن أن يتوارثن لعنة الحب، لا نعمة الأمومة؟
في «أغنيات للعتمة» تسرد الكاتبة، على لسان أسمهان ــ الجيل الرابع من العائلة ــ حكاية أربع نساء تمتدّ زمنياً من ربيع عام 1908 حتى منتصف كانون الأول 1982. تبدأ الرواية برسالة طويلة تكتبها أسمهان إلى صديقتها، رسالة أقرب إلى اعتراف داخلي، تفرغ فيها وجعاً متراكماً لم يبدأ بها، بل ورثته عن جدتها شهيرة، مروراً بجدتها ياسمين، ثم أمها ليلى، وصولاً إليها هي، بوصفها الحلقة الأخيرة في سلسلة الألم.
تفتتح الرواية بسيرة شهيرة، الجدة الأولى، التي تُلقى فجأة في قلب حياة لم تخترها. تتزوج من زوج أختها المتوفاة، لا حباً ولا حلماً، بل بدافع الواجب ورعاية أبناء أختها. تصبح زوجة لرجل لا يعرف من الحياة سوى ذكورته، وأماً بديلة لطفلين لم تنجبهما. تنقلب حياتها رأساً على عقب، لكنها لا تستسلم. تتمرّد شهيرة بصمت وذكاء؛ تمردها دبلوماسي، خفي، تعلّمته من قسوة الحياة. تدير شؤون الأسرة، تعلّم أبناءها القراءة والكتابة إلى جانب عملهم مع والدهم، وتنهض بالجميع من دون أن تدخل في صدام مباشر مع الزوج. وسط ظروف سياسية واقتصادية خانقة، تبدو صلابة شهيرة وحنكتها العمود الفقري الذي يمنح الأسرة فرصة للحياة، ولولا إصرارها لما صار أولادها ما أرادت لهم أن يكونوا.
ومن خلال سيرة شهيرة، تنفتح الرواية على بقية الشخصيات النسائية. ابنتها ياسمين، التي تتزوج من ابن عمها في السابعة عشرة، وتفارق الحياة يوم ولادتها، تاركة طفلتها ليلى بين يدي الجدة. يتخلى الأب عن ليلى بدافع العمل في فلسطين، فتُربّى في كنف الجدة والأخوال، في حياة يغلّفها الفراغ وغياب الحنان. تكبر ليلى وهي تبحث عن تعويض لهذا الفقد، فتلجأ إلى الدراسة والأدب والروايات، وتصنع لنفسها عالماً موازياً تهرب إليه من واقع لا تمنحهـا الأمان. لكن هذا الهروب يتحوّل إلى قطيعة عاطفية؛ تعجز ليلى عن منح ابنتها مشاعر الأمومة التي حُرمت منها، وكأنها تعيد إنتاج اللعنة نفسها.
تعيش ليلى حياة شفافة، بالكاد تُرى أو يُسمع لها صوت. تتخلى عنها السلطة الذكورية مرة أخرى: أب غائب، أسرة تقرر مصيرها، وزوج يمارس عليها الإهانة لفظاً وجسداً. تختفي ليلى من حياة أبنائها، اختفاءً يشبه الذوبان، لتترك فراغاً جديداً يُضاف إلى سلسلة الفقد.
تصل الرواية أخيراً إلى أسمهان. امرأة متعلمة ومثقفة، لكنها، رغم وعيها، لا تفلت من المصير نفسه. زواج فاشل، وتوأم من ولد وبنت، ثم يتدخل القانون ليكرّس القسوة حين يمنح حضانة الطفل الذكر للأب في سن السابعة، فيُنتزع الولد من أمه بحكم القانون لا الرحمة. تجد أسمهان نفسها أمام اختبار قاسٍ: كيف تحمي ذاتها وابنتها من حياة لا تزال منحازة ضد النساء، ومن زوج قاسٍ لا يرى فيها سوى خصم؟
تعتمد الرواية على سرد رسائلي حميم، مكتوب بلسان الحفيدة إلى صديقتها، ما يمنح النص صدقاً عاطفياً ودفئاً إنسانياً. «أغنيات للعتمة» رواية مشبعة بالمشاعر، بالألم، وبحيوات مكتظة بالأحداث، تجعل القارئ شريكاً في كل لحظة، وكل همسة، وكل وجع يمرّ عبر شخصياتها، كأن الألم نفسه هو الراوي الحقيقي، الممتدّ عبر الزمن، والذي لم يجد بعد طريقه إلى الخلاص.

