ريفيو رواية بيت زينب – جيهان سرور
قرأتُ رواية بيت زينب فور نزولها وصدورها على تطبيق «أبجد»، بعد فترة طويلة من الانتظار زادت من حماسي لها.
ولم تكن هذه قراءتي الأولى لأعمال الكاتبة، إذ اعتدتُ متابعة رواياتها السابقة، لما يجمعني بها من نقاط مشتركة، أهمها حبي للروايات الاجتماعية التي أعيش داخل تفاصيلها، وإيماني بأن كتابة الرواية لا تقتصر على الكلمات فقط، بل تكمن أهميتها في تأثيرها العميق في نفوس البشر.
جاءت فكرة الرواية مختلفة، ولاحظتُ تطورًا واضحًا في أسلوب جيهان سرور؛ أسلوب قوي ومميز شدّني منذ الصفحات الأولى، خاصة لما أيقظه في داخلي من ذكريات مع جدتي، رحمها الله. شعرتُ بالألم والخشية من احتمال وفاة زينب، وتألمتُ أكثر لصمتها، إذ لم تُخبر أحدًا عن إحساسها ولا عن خوفها على أحبائها.
كانت وصال الأقرب إلى قلبي؛ أحببتُ شخصيتها، وشعرتُ أنها تذكرني بشيء لا أستطيع وصفه… ربما تشبهني.
أما سوسن ويحيى، فقد سافرا إلى الخارج بعد وفاة الحاجة زينب، لتتطور الأحداث في سياق إنساني واجتماعي صادق، متزامن مع التغيرات الاجتماعية وبداية تطور التكنولوجيا الحديثة، مع انتشار الإيميل والياهو وظهور هاتف «نوكيا» الشهير آنذاك في المجتمع المصري، دون تحديد صريح للتاريخ أو المكان.
سُردت الأحداث في أجواء دافئة، صادقة مع القلب والروح النقية، رغم انشغالات الحياة ودورانها في روتين يومي قاسٍ، هدفه توفير لقمة العيش، بتضحيات كبيرة من أجل حياة كريمة.
سوسن، الحالمة غير المحبة للّمة، جمعت بين التناقضات في تفكيرها الواسع، ويحيى الذي هرب من بلدته، تاركًا ذكريات والدته، بحثًا عن حياة جديدة، لكنه بقي عالقًا في المكان نفسه، خوفًا من الألم والحزن والفقد، ضائع الروح، بلا سعادة.
مع سفر يحيى وأسرته تغيّروا، لكن الحياة تستمر مهما تبدلت ملامح الوجوه والنفوس والمشاعر؛ من غيرة وشك وخوف وحزن، وخشية من التغيير المخيف الذي ينتظرهم. اختلفت الآراء، تشاركوا أحيانًا، وابتعدوا أحيانًا أخرى، فالمسافات تخلق فجوات، وتكبر الصراعات في التفاصيل الصغيرة.
تعلّمنا الرواية كيف نشارك اللحظات الدافئة، نضحك ونحزن، وتمرّ بجانبنا المواقف المختلفة التي عشناها مع مرور الوقت، مع محاولتنا المستمرة ألّا نغيّر طبيعتنا في الحب والأمان والاستقرار والحلم بالمستقبل. فكل بيت يحمل أسراره، ويبقى الأثر.
نجاح يوسف، وحزن عبد العليم على سفر أخيه، وقلق وصال، ونشوى الفتاة التائهة في الضياع، الباحثة عن وطن بداخلها لا يشبه بيت زينب؛ كل شخصية تحمل في داخلها سرًا لا يعرفه سواها.
نشوى تتجاهل والدها وتحارب بأحلامها بعد سفرها إلى القاهرة من أجل دراستها، بينما والدها يفقد صوابه قلقًا عليها. تتناول الرواية الهجرة والابتعاد عن الأحباء، واختيار المستقبل على حساب الأمان والعائلة، والسير نحو الطموح بعيون مغمضة خوفًا. تتشكل العائلة في صراع نفسي داخلي بين الألم والفقد والضياع، بحثًا عن إجابات لأسئلة لا يجيدون تفسيرها؛ فالفجوة تقتل، والحرمان من الدفء، والصمت يملؤه ضجيج الأفكار.
ثلاث فتيات تشاركن الحلم والطموح والاستقرار، لكن وصال حاربت، وأحلامها في السفر إلى الخارج من أجل فرصة قد تغيّر مصيرها. استجمعت وصال شجاعتها، وقررت تغيير قدرها، واختارت حلمها، بدعم وثقة والديها، اللذين وقفا بجانبها ودفعاها إلى الأمام.
أحيانًا تؤلم الذكريات والحنين، خاصة عند الفقد؛ شعور لا يوصف لانطفاء الروح بعد وفاة الجدة زينب، حين تغيّرت الحياة، وغابت السعادة، وعادوا إلى الماضي في كل شيء.
البيوت تسكن القلوب، وكان البيت كأنه يقرأ كل صورة، يحتفظ بروح الضيف الدائم، بطباعه وأشكاله، حين يتشبث الناس بطبيعتهم وبلادهم وأفكارهم، ويتشاركون الروح في كل زاوية، ويحافظون على الرائحة؛ رائحة الوطن، والحنين، والطعم المر والحلو معًا.
زوجة يحيى فرّقت بينهم، وتغيّرت أشياء كثيرة في نفوسهم، وأفسدت الطمأنينة والأمان، فابتعدوا، كلٌّ منشغل بحاله، ولم يعد الزمن يحتفظ بالأرواح كما كانت؛ فتلاشت المشاعر، وتحوّل كل شيء إلى الأبيض والأسود.
من شدة ذكاء جيهان سرور اختيارها اسم «وصال»، الذي يحمل معنى الوصلة إلى طريق الأحلام، لتكمل رسالتها ورحلتها بالنجاح والإصرار والطموح، بعد انتهاء دراستها خارج مصر.
تفاجأتُ بالحوار المكتوب بلهجة عربية ومصرية مزيج فريد في الوقت نفسه، كأنه يحمل صوتًا سوريًا، بمفردات لم أعتدها من قبل، وكانت تجربة مختلفة بالنسبة لي.
وأخيرًا، بعد انتهائي من القراءة، التي سهرتُ عليها حتى الظهيرة، شعرتُ بطاقة إيجابية عن العائلة والحب والتعاون. أشكر الكاتبة جيهان سرور على هذا العمل المميز، الذي شاركتني فيه المشاعر، واستمتعتُ بكل لحظة من هذه القراءة الاجتماعية الجميلة. أتمنى لها مستقبلًا مشرقًا، وكل التوفيق والنجاح الدائم.

