جريمة السيدة هـ > مراجعات رواية جريمة السيدة هـ > مراجعة Mohd Odeh

جريمة السيدة هـ - نهى داود
تحميل الكتاب

جريمة السيدة هـ

تأليف (تأليف) 4.1
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

​في مديح الغواية والبراءة:

قراءة في نضج التجربة السردية لدى نهى داوود

​تتأكد اليوم قناعتي بأننا أمام قلمٍ لا يكتفي بالحكي، بل يُشيّد عوالم موازية تتنفس واقعيةً وتنبض بالخيال في آن واحد. في عملها الأحدث، تستمر نهى داوود في فرض حضورها كصوتٍ روائي يمتلك أدواته بوعي حاد، حيث تلتقي في مساحتها الإبداعية خيوط الواقع بجموحه، والمنطق بصرامته، دون افتعال أو تكلف. القارئ هنا ليس مجرد متلقٍ، بل هو "مراقبٌ عليم"، وُضع بذكاء سردي في بؤرة الحدث، يرقب تشكّل الدوافع

النفسية قبل أن تتحول إلى أفعال، ويسمع هواجس الأرواح قبل أن تنطق بها الألسن.

​البنية الدرامية:

معمارٌ لا يعرف الترهل

​يأتي البناء الدرامي في هذه الرواية "ثقيلاً" برصانته، "خفيفاً" بسلاسته. نحن أمام معمار هندسي نظيف، خيّم عليه الانضباط السردي؛ فلا ممرات جانبية تشتت الانتباه، ولا حشود لغوية فائضة عن الحاجة. كل مشهد هو لينة في جدار الحكاية، وكل حوار هو كشفٌ ضروري لطبقة من طبقات

الشخصية. هذا الإحكام يعكس احتراماً عميقاً لذكاء القارئ، وإدراكاً تاماً من الكاتبة لوجهتها منذ السطر الأول.

​ثنائية "الشرف" والضعف الإنساني

​تقتحم الكاتبة قضية "الشرف" لا بوصفها شعاراً أخلاقياً ثابتاً، بل كعقدة إنسانية شائكة تتشابك فيها الرغبة بالانكسار، والاختيار بالاضطرار. ترسم لنا ببراعة بورتريه لامرأة نال منها الروتين، وزوجٍ يعاني من "عقم عاطفي" حاد، لتجعل من "الإغواء القادم من الماضي" اختباراً وجودياً قاسياً.

​الرواية هنا تضعنا أمام سؤالها الجوهري: إلى أي مدى نملك زمام ذواتنا حين تدفعنا الحياة نحو الحافة؟ وهل تكفي لحظة ضعف واحدة لنسف تاريخ من الاستقامة؟

​التجديد في أدب الجريمة:

ما وراء التحقيق التقليدي

​لم يكن التحقيق في هذه الرواية مجرد إجراءات شرطية جافة، بل كان رحلة تفكيك إنسانية. إن إشراك "المحامي" و"الطبيبة" في حل اللغز منح النص عمقاً قانونياً وعلمياً، وحوله من مجرد مطاردة للجاني إلى بحث مضنٍ عن الحقيقة في أنقى صورها.

ولا يفوتني الإشادة بشخصية "صديقة السيدة هـ"، تلك الومضة المضيئة التي جسدت مفهوم الصداقة كفعل إيمان مطلق، دفاعاً عن براءةٍ لا تشوبها مصلحة، لتكون هي الضمير الحي في قلب العاصفة.

​الاستدعاء الرمزي:

براءة "الإفك" في سياق معاصر

​من أجمل تجليات النص تلك الإحالة الذكية والراقية إلى حادثة الإفك؛ حيث تم توظيف المفهوم ببراعة ليعكس صدى البراءة التي تغيبها الشبهات والظنون، ثم تشرق شمسها من جديد. لم يكن استدعاءً خطابياً، بل كان دلالةً رمزية عميقة تؤكد أن الحقيقة، وإن توارت خلف غبار التهم، فإنها تملك قوة الانبعاث في الوقت المناسب.

​خاتمة:

قلمٌ في حالة تصاعد مستمر

​هذه هي قراءتي الرابعة لنهى داوود، ومع كل كتاب يزداد إعجابي بنضجها الفني المتسارع. ورغم أن رواية "جريمة في ليلة ممطرة" لا تزال تحتفظ بوهجها العاطفي الخاص في ذاكرتي، إلا أن هذا العمل يثبت أننا أمام كاتبة تمسك بتفاصيل النفس البشرية ببراعة الجراح وشاعرية الفنان.

​التقييم: 5/5

رواية متكاملة، محكمة، وتستحق بجدارة أن تتصدر قائمة "مفضلات العام". هي تجربة تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى صخب، بل إلى قلم صادق، ذكي، ومتمكن كقلم نهى داوود.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق