مراجعة لـ كتاب "التحولات البسيطة"..
للكاتب يحيى حسن عمر
الصادر عن دار نشر الدار العربية للعلوم ناشرون
"عندما يغير "القدر" مساره بقرار!"
**استهلال..
ماذا لو أن "رصاصة" طاشت؟!!
أو أن "برقية" تأخرت؟!!
أو أن "خيانة" لم تتم؟!
في كتابه المدهش "التحولات البسيطة"، لا يكتفي الدكتور يحيى حسن عمر بسرد أحداث تاريخية بديلة، بل يغوص في فلسفة "ماذا لو" (Counterfactual History)..
. . يثبت لنا الكاتب أن أعظم إمبراطوريات العالم وأخطر أزماته الوجودية لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت معلقة بخيط رفيع من قرار إنساني بسيط. عبر 13 قصة، يسافر بنا الكاتب من كواليس الحروب الغابرة إلى أعماق النيل، ليصدمنا بحقيقة واحدة
"نحن نصنع أقدارنا بقرارات قد تبدو بسيطة، لكنها تغير وجه الأرض..."
يبدأ الكاتب كتابه بتمهيد أكاديمي رصين يطرح تساؤلاً وجودياً: هل التاريخ حتمي؟ يضعنا الكاتب أمام رؤية "التحول البسيط"، حيث لا يحتاج التاريخ لزلازل كبرى ليتغير مساره، بل أحياناً يكفي "تجنب خطأ ساذج" أو "لحظة جرأة" في خيمة قائد.
ومن هنا، يختار الكاتب أولى محطاته من قلب العالم القديم، معركة (كاناي) 216 ق.م، ليطبق نظريته على أعظم جنرالات العصور القديمة: حنبعل باركا.
** القصة الأولى: حنبعل يقتحم الأبواب
" صرخة مهاربعل التي غيّرت وجه التاريخ"
صراع بين "العقل الأكاديمي" و"روح المغامر"
القصة ليست مجرد سرد عسكري، بل هي دراما نفسية عميقة..
. . الكاتب يصور لنا حنبعل في قمة مجده العسكري بعد سحق الجيش الروماني، لكنه في قمة "تَرَدُّدِه" الاستراتيجي.
حنبعل (المنطق الحذر): يظهر كقائد يخشى التمدد الزائد، يتذرع بنقص المؤن وآلات الحصار، وكأنه يمثل "الحكمة التقليدية" التي أضاعته في التاريخ الحقيقي.
مهاربعل (شرارة التحول): يجسد الكاتب في شخصيته صوت "الفرصة التاريخية". حواره مع حنبعل كان ذروة الإبداع في القصة؛ حيث واجهه بحقيقته كـ "سيد للمجازفات"، وضغط على الجرح السياسي (خيانة قرطاجة له).
بمجرد أن استجاب حنبعل لـ "التحول البسيط" وقرر الزحف، انهمر الإبداع التخيلي للكاتب..
يوضح لنا الكاتب أن روما لم تسقط بالسيوف فقط، بل بـ "الخيانة" (شخصية ماركوس أركوليوس) واستغلال الثغرات القانونية في نظام الجمهورية.
بشاعة النصر: هنا يبتعد الكاتب عن الرومانسية؛ "النار" كانت هي الحل الذي فرضه مهاربعل. مشهد بكاء حنبعل أمام أطلال روما المحترقة هو "الماستر سين" الذي يبرز التناقض بين إنسانية القائد ووحشية الضرورة العسكرية.
النتيجة: عالم بلسان فينيقي!
النهاية كانت صاعقة ومبهرة؛ الكاتب لم يغير نتيجة معركة، بل مَحا "اللغة اللاتينية" من مستقبل أوروبا! تخيل لنا عالماً يتحدث الفينيقية، وبحر متوسط تتقاسمه قرطاجة غرباً واليونان شرقاً.
** القصة الثانية.. مرج دابق.. المدفع لا يكسب أحيانًا.
يأخذنا د. يحيى حسن عمر إلى لحظة فارقة في تاريخ الشرق؛ معركة مرج دابق 1516. التحول البسيط هنا لم يكن في السلاح، بل في اليقظة. ببراعة أدبية، يستأصل الكاتب "ورم الخيانة" (خاير بك) من جسد الجيش المملوكي قبل يوم واحد من الكارثة، ليثبت أن الإخلاص والسرعة قادران على هزيمة البارود.
تنتهي القصة بنصر مملوكي أعاد صياغة الخلافة، وحوّل المماليك من "فرسان سيوف" إلى "قوة مدفعية" استثمرت هزيمة خصمها لبناء نهضة اقتصادية وعسكرية، مغيرين بذلك وجه الصراع الإسلامي-الأوروبي للأبد."
**القصة الثالثة.. فيينا.. السلطان في قلب أوروبا
في هذه القصة، قدم الكاتب درساً في "فلسفة الزمن". التحول البسيط لم يكن معجزة سماوية، بل كان "قراراً إدارياً ذكياً"؛ تبكير الحملة شهرين وبناء مستودعات إمداد. هذا التغيير جعل المدافع العثمانية الثقيلة تصل إلى أسوار فيينا في "عز الصيف" بدلاً من "وحل الخريف". الكاتب هنا يخبرنا أن التاريخ لا يصنعه الشجعان فقط، بل يصنعه من يمتلكون "ساعة توقيت دقيقة".
...... سقوط فيينا.. حينما تنحني "درة التاج":
ببراعة فائقة، وصف الكاتب سقوط فيينا في أغسطس 1528. لم يكن نصراً سهلاً، بل وصف استعدادات الكونت "سالم" الدفاعية بكل احترام لذكاء العدو، مما جعل لحظة النصر العثماني لها قيمة حقيقية. بسقوط فيينا، كسر الكاتب "عقدة" تاريخية استمرت قروناً، وفتح الباب أمام خيالنا لنرى العثمانيين وهم يتوغلون في بوهيميا وبافاريا وألمانيا.
..... "إبراهيم العظيم" وشبح حنبعل:
أجمل خيط درامي في القصة هو تحول "إبراهيم باشا" إلى أسطورة أوروبية. الكاتب جعله يمر بمواقع انتصارات "حنبعل" القديمة، لكنه جعله يتفوق على ملهمه؛ فبينما تردد حنبعل أمام أبواب روما، اقتحمها إبراهيم في يوليو 1529. هنا نرى "إبراهيم" ليس كوزير، بل كـ "إسكندر مسلم" يعيد رسم خريطة العالم المسيحي واللاهوت الأوروبي، لدرجة إجبار "مارتن لوثر" والبابا على التحالف المستحيل.
.... التناقض القاتل (التماثيل والهوية):
الكاتب لم يكتفِ بالجانب العسكري، بل غاص في "الاغتراب الثقافي" لإبراهيم باشا. إعجابه بفن روما ونقله للتماثيل لقصره في إسلامبول كان هو "المسمار الأول" في نعشه. هنا تبرز عبقرية السرد؛ فبينما كان إبراهيم يفتح البلاد، كان يفقد قلوب جيشه ورجال الدين الذين لقبوه بـ "ناصب الأصنام". الكاتب يوضح لنا أن القائد قد ينتصر على أعدائه، لكنه قد يُهزم أمام "ثقافة" العدو التي تفتنه.
.... النهاية التراجيدية (الخيط الحريري):
النهاية كانت قاسية وجميلة في آن واحد. الكاتب ربط بين "المجد المطلق" و"السقوط المطلق". السلطان سليمان الذي أحب إبراهيم، لم يستطع تحمل "جموحه" السياسي (لقب سلطان الجيوش). مشهد "العشاء الأخير" والخيط الحريري الرقيق حول رقبة إبراهيم، يختصر فلسفة القصة: النجاح الذي يتجاوز حجم الحاكم هو انتحار سياسي.
النقاط التي جعلت هذه القصة استثنائية:
الواقعية العسكرية: لم يكن النصر "سحرياً"، بل كان نتيجة تخطيط لوجيستي (المستودعات، التوقيت).
البعد السياسي: تصوير رعب أوروبا وتحالف الكاثوليك والبروتستانت لأول مرة.
العمق الإنساني: رسائل السلطانة خديجة، وتحريض السلطانة خُرَّم، وغيرة السلطان سليمان.
.. "في هذه القصة، نجح الدكتور في إثبات أن التاريخ البديل ليس مجرد تمنيات، بل هو علم الاحتمالات. لقد منحنا (فتح روما) الذي تمنيناه، لكنه سلبنا (إبراهيم باشا) الذي أحببناه. القصة هي صراع بين عبقرية القائد وغيرة السلطان، تنتهي بانتصار الدولة وخسارة العقل الذي بناها."
**القصة الرابعة: بلطجي يحطم رأس بطرس الأكبر
- عندما يبتلع نهر "بروت" أحلام القيصر-
1. الاسترداد العظيم (كسر هيبة القيصر):
في هذه القصة، أخذنا إلى لحظة تاريخية "منكسرة" للدولة العثمانية بعد صلح كارلوفجه، ليقلب الموازين بـ "تحول بسيط" في شخصية القائد. "بلطجي محمد باشا" ليس مجرد صدر أعظم، بل هو التجسيد العثماني لرفض الهزيمة..
. الكاتب هنا نجح في تحويل "نزهة" بطرس الأكبر في الأراضي العثمانية إلى "مصيدة كبرى" على ضفاف نهر بروت، واصفاً الحصار العسكري ببراعة تجعلك تسمع دوي المدافع وصراخ الجنود الروس المحاصرين.
2. صدام الأخلاق والقوة (الصفعة التاريخية):
أجمل وأقوى مشاهد القصة هو لقاء "الجمال والسيادة" في خيمة البلطجي. الكاتب قدم لنا مواجهة غير تقليدية بين "كاترينا" (التي تراهن على أنوثتها وإغوائها لإنقاذ روسيا) وبين "البلطجي" (الذي يرى في هذا الإغواء إهانة لدولته). "الصفعة" التي وجهها الباشا لكاترينا لم تكن مجرد فعل فيزيائي، بل كانت "تحولاً درامياً" أعاد للقائد الشرقي هيبته المفقودة في الروايات التاريخية التقليدية، ورفضاً قاطعاً لاستبدال الرصاص بالرشوة أو الجسد.
3. إحراق موسكو.. الحلم الذي لم يكتمل:
بجرأة أدبية يحسد عليها، جعل الكاتب الجيوش العثمانية تقتحم "موسكو" وتحرقها قبل نابليون بقرن من الزمان. هذا المشهد هو ذروة "التاريخ البديل" في الرواية؛ حيث نرى الإمبراطورية الروسية تُجهض في مهدها، والقيصر بطرس الأكبر يتحول من "بانٍ لروسيا" إلى "أسير ذليل" يشاهد دخان عاصمته من سجن السلطان في أدرنة. الكاتب هنا يبرز الفجوة بين طموح القائد (البلطجي) واكتفاء السلطان (أحمد الثالث) الذي فضل الفدية على الحسم.
4. السم.. سلاح المهزومين:
النهاية كانت تراجيدية بامتياز، وتكشف عن وجه آخر للحروب: "الحروب القذرة". الكاتب لم ينهِ حياة البلطجي في ساحة المعركة، بل في مخدعه بـ "قدح مسموم" دبرته كاترينا بذهب روسي وخيانة جارية. هذه النهاية تعزز الفلسفة العامة للكتاب؛ أن التحولات البسيطة التي تصنع الانتصارات الكبرى (كالسرعة في الحصار ورفض الرشوة) تقابلها تحولات بسيطة وغادرة تنهي حياة الأبطال (كشراء ذمة جارية).
هذه القصة خاصةً شعرت أنها استثنائية والسبب هو
تحطيم الصور النمطية الكاتب قدم "بلطجي باشا" كقائد صلب لا يلين أمام المال أو الجمال.
العمق السياسي، الربط بين لجوء ملك السويد وبين إشعال الحرب بين عملاقين (روسيا والعثمانيين).
النهاية المريرة.. إثبات أن النصر العسكري قد يُهزم بمؤامرة داخل القصر، وأن "الانتقام الشخصي" لامرأة قد يغير مصير دولة.
خلاصة الكلام "في ملحمة (نهر بروت)، لا يحطم المؤلف رأس بطرس الأكبر فحسب، بل يحطم التوقعات التقليدية للتاريخ. قدم لنا قائداً عثمانياً 'بلطجياً' في بأسه، ونبيلاً في مبادئه، حطم غرور القيصرية بصفعة واحدة. ورغم أن القصة تنتهي برائحة السم والغدر، إلا أنها تترك القارئ متسائلاً: كيف كان سيبدو شكل العالم اليوم لو أن (بلطجي باشا) لم يشرب ذلك القدح المسموم؟!!!
**القصة الخامسة: غزو بريطانيا ١
"لعبة صبية القاهرة التي أسقطت لندن"
1. الاستراتيجية: (ذكاء "الاستغماية" السياسية)
أعظم ما في هذه القصة هو ربط الكاتب بين "بساطة الفكرة" و**"عظمة النتيجة"**. نابليون لم ينتصر بالمدافع فقط، بل انتصر بـ "المعلومة المضللة"..
.. استغلاله لعقدة نلسن النفسية تجاه مصر كان هو "التحول البسيط" الذي جعل الأسطول البريطاني يطارد سراباً في المتوسط والكاريبي، بينما تُفتح أبواب لندن للغزو.
2. التكتيك: (براعة الخروج من الفخ)
الكاتب كان ذكياً جداً في عدم جعل نابليون "سوبرمان"؛ فقد اعترف بونابرت بصعوبة احتلال إنجلترا وتجرع مرارة "حرب العصابات". لكن الذكاء الحقيقي ظهر في "معاهدة برمنجهام"؛ حيث حوّل نابليون "ورطة" وجوده في جزيرة معادية إلى "مكسب" سياسي بفك الحصار البحري عن فرنسا، ليخرج من لندن ليس كهارب، بل كفاتح يملي شروطه.
3. الدراما التاريخية: (مفارقة نلسن وبونابرت)
المفارقة هنا تكمن في المصير:
نلسن: مات وهو يظن أنه حرر بلاده، بينما الحقيقة أنه بموته وهزيمة أسطوله في "شتلاند" البديلة، أعطى لنابليون "صك الغفران" للتحرك بحرية في أوروبا.
نابليون: انتقل من "شرفة باكنجهام" إلى "سهل أوسترلتز" كالبرق. الكاتب أثبت أن تحييد إنجلترا (حتى لو لعام واحد) كان هو المفتاح الذي فتح له أبواب فيينا وقهر الأباطرة الثلاثة.
**القصة السادسة.. غزو بريطانيا ٢
"ماذا لو لم تكن (ترافلجار) انكساراً لنابليون، بل كانت (دوفر) هي مقبرة الأسطول الإنجليزي؟"
في هذا الجزء من كتاب "التحولات البسيطة"، يأخذنا الكاتب في رحلة خيالية مذهلة تبدأ بـ (تمويه) بسيط وتنتهي بنابليون بونابرت وهو يحتسي نبيذه في شرفة قصر باكنجهام. الكاتب أبدع في رسم مسار بديل للتاريخ، حيث تحولت لندن من حصن عصيٍّ إلى مدينة محتلة ترزح تحت وطأة الجنود الفرنسيين لأكثر من ثماني سنوات.
نقاط القوة في هذا السيناريو:
عبقرية (كلود فورنييه): ظهور شخصية "بونابرت البحري" الشاب الذي كسر عقدة النقص الفرنسية أمام نلسن، محولاً مضيق دوفر إلى كماشة مميتة حطمت هيبة "سيدة البحار".
مفارقة النصر والاستنزاف: يحلل الكاتب بذكاء كيف أصبح احتلال بريطانيا "لعنة" على نابليون؛ فبدلاً من أن تكون قاعدة لقوته، أصبحت "ثقباً أسود" استنزف 300 ألف من خيرة جنوده لقمع المقاومة الشعبية، مما جعل ظهره مكشوفاً في شتاء روسيا القاتل.
سقوط الأسطورة: مشهد إصابة نلسن وأمره بالانسحاب لأول مرة في تاريخه يمثل ذروة الانكسار الدرامي لبريطانيا، وهي اللحظة التي أعاد فيها الكاتب صياغة "كبرياء الأمم".
الخلاصة:
تنتهي القصة بعودة التاريخ لمجراه في "ووترلو"، لكنه يعود بروح مختلفة؛ بريطانيا هنا لا تحارب لتوازن القوى، بل تحارب لغسل عار الاحتلال. دكتور يحيى يثبت لنا أن "التحولات البسيطة" قد تغير القادة والعواصم، لكنها في النهاية تصطدم بصخرة الشعوب التي لا تقهر.
**القصة السابعة.. الحرب العالمية الأولى "سقوط باريس مجددًا"
"8 أشهر فقط كانت كافية لتمزيق خارطة العالم القديم وولادة عالم جديد لم نعرفه!"
في القصة السابعة من (التحولات البسيطة)، يبهرنا د. يحيى حسن عمر بقدرته على تفكيك التاريخ. لقد جعلنا نرى كيف يمكن لـ (كلمة) من ولي عهد لأبيه القيصر أن تنقذ ملايين الأرواح من الموت في الخنادق، لتضعهم في مواجهة "غول" أيديولوجي جديد.
نقاط القوة في هذا المسار البديل:
سقوط باريس المبرمج: الكاتب أبدع في تصوير فخ "الجبهة الضعيفة" الذي ابتلعه الفرنسيون بحماقة، وكيف أطبق "المنجل الألماني" على باريس في وقت قياسي، مما أدى لانسحاب بريطانيا "المشبوه" وتخليها عن حليفتها.
الدولة العثمانية المنتصرة: في واحدة من أجمل المفارقات، منح الكاتب "الرجل المريض" قُبلة حياة؛ حيث استغل العثمانيون سقوط روسيا ليستردوا هيبتهم وأراضيهم.
ولادة "المحور الشيوعي": التحول الأذكى هو تحول فرنسا لجمهورية شيوعية عام 1917. الكاتب يرينا أن الهزيمة العسكرية أدت لانحلال أخلاقي وسياسي جعل من باريس وموسكو قطبين للشيوعية العالمية ضد الإمبراطوريات "الرجعية" (ألمانيا، النمسا، العثمانية).
الخلاصة:
هذه القصة ليست عن الحرب، بل عن (انتقام التاريخ). لقد انتهت الحرب العظمى بسرعة، لكنها زرعت بذور صراع أعمق وأخطر: صراع الأيديولوجيات. دكتور يحيى يثبت لنا أن "التحولات البسيطة" قد تمنحنا السلام اليوم، ولكنها قد تخلق "جحيماً" مختلفاً تماماً غداً.
**القصة الثامنة.. الحرب العالمية الثانية "البريطانيون يستسلمون في دنكرك"..
"نور باهر.. وتلاشى كل شيء": مشهد نهاية هتلر وهو يتأمل طائرة وحيدة (إينولا جاي) في السماء ظناً منه أنها غارة تقليدية، هو قمة التراجيديا في السرد. الكاتب أظهر كيف أن "الغرور" جعل هتلر يرفض دخول المخبأ ليشاهد نهايته بنفسه.
ثمن الاستسلام غير المشروط: لم يغفل الجانب المظلم؛ فقد صور لنا "حرب الانتقام" التي تلت الانفجار، من حرق موسكو وباريس بصواريخ V2 الألمانية، إلى المجازر التي رافقت انسحاب الألمان "بسرعة الهروب القصوى".
مصير مصر والمنطقة: التحول الذكي جداً كان في "عزل الملك فاروق" وتولية الأمير محمد علي، وبداية مرحلة دستورية جديدة في مصر كمكافأة للوفديين، وهو مسار مختلف تماماً عما نعرفه في تاريخنا الحقيقي.
المأساة الفلسطينية: حتى في هذا العالم البديل، ظلت فلسطين هي الجرح الذي لا يندمل، مع عودة الهجرة اليهودية برعاية بريطانية من قبرص.
**القصة التاسعة.. الحرب العالمية الثانية "جبهة الباسيفيك"
"الساموراي في مواجهة الذرة: عندما انكسر (عناد الآلهة)!"
لم يقدم لنا نصراً يابانياً فحسب، بل قدم لنا (مأساة إغريقية) بطلها الساموراي. (التحول البسيط) جعل اليابان تسيطر على نصف العالم، ليكون ثمن استسلامها هو الأغلى في التاريخ: أربع قنابل ذرية حطمت عناد القادة وأحرقت أساطيل لا تُقهر..
. . المذهل هو الربط العجيب بين سقوط برلين وسقوط هيروشيما في نفس اللحظة التاريخية، وكأن القدر قرر معاقبة طموح (المحور) بضربة واحدة قاضية. قصة تجعلك تتساءل: هل كان ذكاء كابتن اللاسلكي (كوراجا) في ميدواي نعمة أم نقمة، بعدما أدى في النهاية إلى هذا الجحيم النووي؟"
**القصة العاشرة.. ثورة يوليو 1952
التحول هنا يكمن في (نجاح انتخابات سبتمبر 1954). في الواقع التاريخي، تم إلغاء الحياة الحزبية تماماً، أما في الرواية، فقد سمح محمد نجيب بتعددية سياسية أدت لفوز "حزب الثورة" بنسبة 55%. هذا "التحول البسيط" جعل المعارضة (الوفد والإخوان) جزءاً من بناء الدولة بدلاً من أن يكونوا نزلاء في معتقلاتها.
مصير ناصر وعامر: ببراعة شديدة، جعل الكاتب نجيب يستخدم "الرأفة" مع رفاقه، فنفاهم كسفراء للأرجنتين والبرتغال بدلاً من السجن. هذا يبرز شخصية نجيب المتسامحة في الرواية، والتي فضلت "النفي الدبلوماسي" على "الصدام الدموي".
عبقرية النحاس في السودان: التلاعب بالألفاظ بين (الاستقلال) و(الاتحاد) يبرز حنكة النحاس باشا السياسية. في هذا العالم البديل، لم ينفصل السودان في 1 يناير 1956، بل قامت (جمهورية مصر والسودان)، وهو الحلم الذي ضاع في تاريخنا الحقيقي.
الجيش في الثكنات: دور الأمير آلاي أحمد شوقي كان حاسماً؛ حيث أعاد الجيش لوظيفته الاحترافية وابتعد عن السياسة، مما سمح للتجربة المدنية بالنمو والازدهار الاقتصادي (السد العالي وقناة جونجلي).
... وختام للقصة نصل لـ (ماذا لو) الأجمل..
ماذا لو كانت ثورة يوليو قد سلكت طريق الديمقراطية؟ (التحول البسيط) جعلنا نرى جمال عبد الناصر سفيراً في الأرجنتين، ومصطفى النحاس باشا مهندساً لوحدة وادي النيل في الخرطوم. في 1 يناير 1956، بدلاً من إعلان الانفصال، احتفل العالَم بقيام دولة كبرى تمتد من الإسكندرية إلى جبال النوبة...
**القصة الحادية عشر.. حرب أكتوبر "الضربة الجوية السورية الأولى"
"أكتوبر 73 عندما انكسر (الهيكل) في أربعة أيام!"
التحول هنا كان في (كثافة وجرأة الضربة الجوية السورية-المصرية المشتركة). هذا "التحول البسيط" في التكتيك أدى إلى:
شلل تام في سلاح الجو الإسرائيلي (تدمير نصف الطائرات والمطارات ومستودعات الوقود).
انهيار نفسيّ تام للقيادة الإسرائيلية، لدرجة أن جولدا مائير طلبت رسمياً استخدام (السلاح النووي).
وصول القوات السورية لشواطئ طبرية والمصرية لخط المضايق في 96 ساعة فقط.
التحليل الدرامي والسياسي
جولدا في واشنطن: مشهد سفر جولدا مائير المذعورة إلى أمريكا وارتماؤها في أحضان كسينجر قائلة: "انقذ شعبك" يوضح كيف قلب "التحول البسيط" موازين القوى؛ فإسرائيل التي كانت "البعبع" أصبحت تستجدي البقاء.
إخلاص "سعد" ودهاء "السادات": نجحت خطة الشاذلي في جعل إسرائيل تظن أن هناك "تدخلاً روسياً مباشراً" بسبب دقة الضربات، بينما كانت الحقيقة هي (7 أسراب مصرية) فقط عملت من دمشق وغيرت مجرى التاريخ.
النهاية المظفرة: في الواقع الحقيقي، حدثت "الثغرة" وتوقفنا عند 12 كم، أما هنا، فبسبب الشلل الجوي الإسرائيلي، انسحب ديان للمضايق "ذهنياً وعسكرياً"، وانتهت الحرب بنصر عربي كاسح في 10 أكتوبر.
"في ختام القصة ١١، يقدم (أكبر انتصار عربي متخيل).
(التحول البسيط) في توزيع القوى الجوية جعل العالم يستيقظ على حقيقة جديدة: إسرائيل تطلب استخدام النووي لإنقاذ نفسها من الهولوكوست العربي! ببراعة مذهلة، يصف الكاتب انهيار (موشي ديان) أمام عبقرية التخطيط المصري-السوري المشترك. في هذا العالم البديل، لم تكن هناك (ثغرة دفرسوار) ولا مفاوضات (كيلو 101)، بل جيوش منتصرة تقف على ضفاف طبرية وفي قلب المضايق بعد 4 أيام فقط من القتال. قصة تجعلك تتنفس الصعداء وتتمنى لو أن (خيار الشاذلي الثالث) كان هو الواقع. إنها صرخة فخر عسكرية مكتوبة بحبر الإنصاف."
**القصة الثانية عشر.. حربا فوكلاند" الأولى والثانية "
" حربا فوكلاند.. عندما يزأر الأسد بأنيابٍ مستعارة! "
في هذه القصة، يأخذنا د. يحيى حسن عمر إلى مياه الأطلسي الباردة عام 1982. "التحول البسيط" هنا كان ذا شقين:
عسكري: امتلاك الأرجنتين لمخزون سري من صواريخ "إكسوسيت" الفرنسية وتكتيك الموجات المتتالية، مما أدى لغرق أسطورة الأسطول البريطاني (الحرب الأولى).
سياسي: التدخل الأمريكي المباشر بـ "تأجير" حاملات طائرات نووية لبريطانيا، وكشف الخيانة الفرنسية السرية (الحرب الثانية).
نجح الكاتب في حبس أنفاسنا وهو يصف غرق حاملتي الطائرات البريطانيتين "إنفينسيبل" و"هيرمز". لقد حوّل النصر الأرجنتيني المؤقت إلى "بيرل هاربر بريطانية" تسببت في انتحار قادة عسكريين واهتزاز عرش "المرأة الحديدية".
كواليس الخيانة الدولية: مشهد المواجهة بين ريغان وميتيران في المكتب البيضاوي كان "ماستر سين" القصة. لنرى كيف تلعب الدول الكبرى على الحبلين؛ فرنسا تبيع السلاح سراً للأرجنتين وتدعم بريطانيا علناً.
سحق الانتصار بالواقعية: "حرب فوكلاند الثانية" التي اختلقها الكاتب أثبتت أن الدول العظمى لا تقبل الهزيمة. استعارة بريطانيا لحاملات طائرات أمريكية نووية ودهانها بالعلامات البريطانية كان تحولاً عبقرياً أدى لمحو القوة الجوية الأرجنتينية في أيام.
النهاية الدرامية: انتهاء الحرب باسترداد "المدمرة جلاسجو" وتنحي الجنرال جالتيري أعطى للقصة عمقاً إنسانياً وسياسياً؛ فالهزيمة العسكرية العظيمة أدت في النهاية لولادة عهد مدني جديد في الأرجنتين.
**القصة الثالثة عشر والأخيرة.. السدان وما حدث لهما..
التحول هنا تجاوز السلاح ليصل إلى (الإرادة السياسية الشاملة). التحول البسيط الذي غيّر الموازين هو قدرة "دولة الوحدة" على تحويل النصر العسكري إلى "واقع جغرافي" بهدم السدين، ثم تحويله إلى "اتفاق قانوني ملزم" برعاية القوى العظمى. لقد استبدل الكاتب "عشر سنوات من التفاوض العقيم" بـ "ستين يوماً من العمل الحاسم".
تضحية الـ 20 مليار: مشهد الملك في الرياض وهو يقرر الذهاب للندن بنفسه ويضحي بـ 20 مليار جنيه إسترليني في صفقات سلاح لأجل "خاطر النيل"، هو تجسيد لمعنى التضامن العربي الذي يصنع المعجزات.
لحظة السجود (ساعة الصفر + 60): سجود الرئيس ونائبه ووزير الدفاع أمام ركام "سد النهضة" بعد تفجيره، هي اللحظة التي انتظرها ملايين القراء. إنها ليست فرحة تدمير، بل هي "سجدة شكر" لزوال خطر الفناء.
عودة الروح للقاهرة: مشهد الأحضان في شوارع مصر والوحدة الشعبية التي لم تُرَ منذ 1973 يعيد الأمل في أن الأزمات الوجودية هي الوحيدة القادرة على صهر الخلافات وتوحيد القلوب.
اتفاق لندن "العادل": النهاية كانت واقعية جداً؛ دولة الوحدة لم تظلم إثيوبيا، بل تعهدت ببناء سد بديل أصغر (12 مليار متر مكعب) لإنتاج الكهرباء. هذا "التحول" في العقلية من (التعطيش) إلى (التنمية المشتركة) هو الضمان الحقيقي للسلام.
ختام القصص مسك.. ملحمة وطنية تجعل الدماء تتدفق في العروق كما تتدفق مياه النيل في مفيض توشكى...
(خارطة طريق) للاستقلال الوطني..
. .( (التحول البسيط)) كان في كلمة (لا) التي قيلت لمجلس الأمن، وفي (نعم) التي قيلت للوحدة الفيدرالية. وانتهت الحرب بتدمير السدود التي كانت ستخنق الوادي، وبدء عصر جديد من التعاون القائم على القوة والعدل. رحلة بدأت من (بئر مراد) وانتهت عند (ركام سد النهضة)، لتؤكد لنا حقيقة واحدة: أن التاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا يكتبه إلا من يمتلك الجرأة على تغيير (التحولات البسيطة) في لحظات القدر."..
.
.
في ختام رحلتي مع "التحولات البسيطة"، أجدني واقعةً تحت تأثير حالة من الانبهار التام بأسلوب سرد الدكتور يحيى حسن عمر. لم يكن الكاتب يسرد أحداثاً، بل كان "يهندس" عوالم موازية ببراعة جراح يدرك تماماً أين يضع مبضعه ليغير مسار النزيف التاريخي..
. أكثر ما أدهشني هو ذلك التخيل المنطقي؛ فالكاتب لا يقدم "أحلاماً وردية"، وإنما قدم "بدائل عقلانية" مبنية على تحليل استراتيجي عميق، مما جعلني أشعر طوال القراءة بأنني أشاهد التاريخ وهو يُعاد تشكيله أمام عينيَّ بلمساتٍ من الذكاء والحنكة.
لقد غمرتني سعادة غامرة وأنا أرى كيف يمكن لـ "تحول بسيط" أن يقلب موازين القوى، وكأن الكاتب يمنحنا فرصة ثانية لنرى أوطاننا ومنطقتنا في موضع السيادة الذي تستحقه. كان السرد منمقاً، رصيناً، ومنظماً لدرجة تجعلك تنساب بين الحقيقة والخيال دون أن تشعر بفجوة، وهذا في حد ذاته قمة الإبداع الأدبي.
ولا يمكنني تجاوز تلك "الحركة العظيمة" التي ختم بها الكاتب قصصه؛ وهي "النوتس" (الهوامش الختامية). لقد كانت بمثابة "جسر العودة" للواقع، حيث يضع النقاط على الحروف ويوضح أين انتهى التاريخ الحقيقي وأين بدأ إبداعه الخاص. هذه الهوامش أعطت للكتاب ثقلاً أكاديمياً بجانب قيمته الأدبية، وأكدت على "الأمانة التاريخية" للمؤلف حتى وهو في عز تحليقه بخياله.
كما كانت الخرائط المرفقة "خرائط نصر" رسمت لنا الطريق بوضوح، وجعلت من فهم المعارك والتحركات العسكرية تجربة بصرية ممتعة وسهلة الاستيعاب. إن هذا الكتاب بذكائه، وتنظيمه، وعمق تحليله، هو "هدية" لكل من أراد أن يفهم أن التاريخ ليس مجرد ماضٍ مضى، بل هو فرصٌ تنتظر من يقتنصها.
شكراً للدكتور يحيى حسن عمر لأنك جعلتني اري "ما يمكن أن يكون"، ولأنك أثبتَّ لنا بقلمك المنمق أن السيادة تبدأ دائماً من جرأة القرار.".
**اقتباسات أعجبتني..
❞ كثيرًا ما يردِّد المهتمون بالتاريخ مقولاتٍ مثل: لو لم تسقط الثلوج بكثافةٍ أكثر من المعتاد وتُوقِف الجيش الألماني أثناء غزوه للاتحاد السوفياتي عام 1941 لَتَغَيَّرَ وجهُ التاريخ، أو لو حارب (أنطونيوس) برًّا بدلًا من أن يخوض معركة (أكتيوم) البحرية عام 31 ق.م لَتَغَيَّرَ وجه التاريخ، كثير من التغيُّرات والتحوُّلات نفترض أنها كانت قادرةً على تغيير مَجْرَى التاريخ، وأَهْوَنُ تلك التغيُّرات والتحوُّلات تلك التي تعلَّقَتْ بأخطاء تاريخية وعسكرية وقع فيها قادةٌ كبار، وكانوا يستطيعون- بقليل من التوفيق الذي لازَمَهم قَبْلَهَا - ألَّا يقعوا فيها، فهذا النوع من (التحوُّلات البسيطة)- التي كانت تتمثَّل فقط في مجرد تجنُّب الأخطاء الساذجة - كانت ستؤدِّي ❝
❞ كان السلطان سليمان في غاية الفرح، كان يحسُّ أنه قد مَلَكَ الدنيا بهذا الانتصار وقد تخطَّى عمرُه الثلاثين بقليل، فإذا به يصل في قلب أوروبا إلى ما لم يَصِلْ إليه سلطانٌ مسلم قبله، لذلك تعجَّب كثيرًا من شعور عدم الراحة التي كان يتملَّك صِهْرَهُ وصديقه وكبير وزرائه وقائد جيشه من هذه النتيجة الرائعة ❝
❞ - المهم هو أن ننتصر يا سيباي.
- سننتصر بعون الله ومدده يا مولانا، وأنا - إن شاء الله - أَكْفِيكَ أمرَ المدافع في المَيْمَنَة، و(سودون) يكفيك أمرَها في المَيْسَرَة. ❝
❞ الرئيس نجيب: صفحة وِعَدت يا أحمد، وخدنا العهود والمواثيق.
القائمقام أحمد شوقي: وبدأوا بنقض العهود والمواثيق يا سيادة الريّس، ولو سبتهم والله ما حيسيبوك، يوم 28 فبراير إتعاهدتم على الصفحة الجديدة، كانت النتيجة إيه؟! رجعوا سيادتك يوميها رئيس جمهورية وماطل عبد الناصر في رجوعك إلى منصب رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الوزرا لحدّ النهارده الصبح، وكانت النتيجة إيه، إنه أصدر يوم 28 فبراير!! - يوم ما إتعاهدتم - أصدر أوامر بالقبض على 118 شخصًا من بينهم عبد القادر عودة، وأحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة - إللي وقفوا معاك يا سيادة الريّس ❝
❞ وسرعان ما اكتسب اللواء محمد نجيب، أشيب الشعر وبشوش الوجه، حبّ المصريين، حيث اعتبروه الأب الجديد للشعب المصري، وقد مكَّن هذا النظام الثوري الجديد من توطيد أقدامه، فأطاح بالملكية وبالإقطاع، وبالأحزاب النيابية القائمة بما في ذلك حزب الوفد قائد الحركة الوطنية قبل الثورة، ونحى زعامته التاريخية ممثلة في زعيمه مصطفى النحاس باشا من المشهد، ثم أطاح بالشيوعيين، وأخيرًا قام بحلِّ جماعة الإخوان المسلمين - حلفاء الثورة الأوائل - في يناير 1954. ❝
#فنجان_ومراجعة_التحولات_البسيطة
#أبجد
#التحولات_البسيطة
#يحيى_حسن_عمر

