اسم الكتاب: #طبائع_الاستبداد_ومصارع_الاستعباد
تأليف: #عبدالرحمن_الكواكبي
تصنيف الكتاب: #فكر _سياسي / #سياسة / #تاريخ_عربي
دار النشر: دار التقوى
عدد الصفحات: ٢٠٦ صفحة
سنة الإصدار: ١٩٠٢
التقييم: ⭐⭐⭐⭐
⭐ لمن لا يعرف عبد الرحمن الكواكبي:
● مفكّر ومصلح عربي سوري، وُلد في حلب عام 1855 وتوفي في القاهرة عام 1902، ويُعد من أبرز رواد الفكر الإصلاحي ومناهضة الاستبداد في العالم العربي.
⭐ فكرة الكتاب:
● يسبر الكواكبي أغوار الاستبداد السياسي، ماهيته وخصائصه، وعلاقته بالدين، والعلم، والمجد، والمال، والأخلاق، والترقي، فضلًا عن تقديمه تعريفات مختلفة للمستبد، والفوارق بين مظاهر الاستبداد، والحكومات المستبدة في الشرق والغرب.
● والمتأمل لهذا الكتاب، يجد نفسه يقول "ما أشبه الليلة بالبارحة"، فعلى الرغم من أن الكواكبي ألف هذا الكتاب في أوائل القرن قبل الماضي، إلا أن ما تضمنه من الأشكال والصور المختلفة للاستبداد، والأمثلة الدالة عليه، تكاد لا تختلف كثيرًا عما نعايشه اليوم في عالمنا العربي. فلو قُدر للكواكبي أن يعود للحياة يومًا واحدًا، لا بد وأن يتساءل غير مصدق: أنحن ما زلنا في عام ١٩٠٠، أم بعد ذلك بقرنين من الزمان؟!
⭐ ما هو الاستبداد؟ ومن هو المستبد؟
● بداية، يستعرض الكواكبي التعريفات المختلفة للاستبداد، فيقول إنه صفة للحكومة المطلقة العنان فعلًا أو حكمًا، والتي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب أو عقاب.
● ويذكر أن أشد مراتب الاستبداد هو حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية، وأن هذا الاستبداد ينحسر كلما قل التفاوت في توزيع الثروات، وكلما أصبح الشعب أكثر استنارة وثقافة وعلمًا.
● ثم سلط الضوء على التوصيفات المختلفة للشخص المستبد، محددًا خمس توصيفات، أذكر منهم ثلاثة وقعوا في قلبي موقعًا عظيمًا:
التعريف الأول:
المستبد: يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم في قرارة نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته.
التعريف الثاني:
المستبد: عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما، والحق أبو الشر، والحرية أمهم، والعوام صبية أيتام لا يعلمون شيئًا، والعلماء إخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبّوا وإن دعوهم لبّوا، وإلا فسيبقوا في سبات عميق حتى الموت.
التعريف الثالث:
المستبد: يود أن تكون رعيته كالغنم دَرًّا وطاعة، وكالكلاب تذللًا وتملقًا، وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خَدمت، وإن ضُربت شرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصيد، خلافًا للكلاب التي لا فرق عندها أُطعمت أم حُرمت حتى من العظام.
● ويؤكد الكواكبي أن على الرعية أن تعرف مقامها هل خُلقت خادمة لحاكمها تطيعه إن هو عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها!!!
● ويرى أن من أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل، مشددًا على أن الاستبداد هو أعظم بلاء يتعجل الله الانتقام من عباده الخانعين، ولا يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة.
⭐ الاستبداد والدين:
● يغوص الكواكبي في هذا الفصل في علاقة الاستبداد بالدين، فيقول إن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، وأن الأول يتحكم في العقول، بينما يسيطر الآخر على القلوب.
● ويشدد الكاتب على أن من أهم ملامح المستبد السياسي توظيفه الدين لأهوائه ومصالحه، وأن ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ صفة قدسية يُشارك بها الله، أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله، علاوة على اتخاذه بطانةً من الشيوخ يعينونه على ظلم الناس باسم الله أو باسم الدين.
⭐ الاستبداد والعلم:
● وجد الكواكبي أن المستبد لا يخشى علماء اللغة أو علماء الدين، إلا من نبغ منهم وعظم شأنه بين الناس، حينها يلجأ إليهم لاستخدامهم في تأييد أمره ومجاراة هواه لقاء أن ينعم عليهم بشيء من التعظيم الزائف وسد أفواههم بلقيمات من مائدة الاستبداد.
● في حين أن أشد ما يخشاه أي مستبد من علوم الحياة تلك التي تُعنى بالفلسفة العقلية، وحقوق الإنسان، والسياسة، ونحو ذلك من العلوم التي تنير العقول وتفتق الأذهان، وتبصر الإنسان بحقوقه المسلوبة والسبيل إلى استردادها والحفاظ عليها.
● ويخلص الكاتب إلى أن بين الاستبداد والعلم حربًا ضروس، فالعلماء يسعون إلى تنوير العقول، في حين يبذل المستبدون الغالي والنفيس لإطفاء نور هذه العقول، والطرفان في حالة تجاذب مستمر لعامة الشعب، الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
⭐ الاستبداد والمجد:
● وفيه يعقد الكواكبي مقارنة بين المجد، الذي لا يُنال - من وجهة نظر الكاتب - إلا بنوع من الذل في سبيل الأمة أو الإنسانية، وبين ما أسماه الكاتب "التمجد"، وهو تقرب المرء من السلطات المستبدة لينال جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية.
● موضحًا أن المستبد يتخذ من هؤلاء المتمجدين المتملقين سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين أو حب الوطن. وفي بعض الأحيان، يلجأ المستبد إلى تعيين أصحاب العقول النابغة ظنًا منه بأنه قادر على إخضاعهم وكسر شوكتهم. فإن خاب مسعاه، أبعدهم ونكل بهم، ليعود أدراجه إلى هؤلاء المتمجدين الجهلاء الذين يعبدونه من دون الله.
⭐ الاستبداد والمال:
● يقول الكواكبي إن مسألة توزيع الثروات أمر ليس بالهين، إلا أن ما يزيد الأمور سوءًا أن الأثرياء والأغنياء في عهود الاستبداد يميلون إلى موالاة الحاكم المستبد، وإنفاق أموالهم لتقوية شوكته وتثبيت دعائم حكمه، بدلًا من أن يخرجوا نصيب الزكاة منها على الفقراء، وهو ما يتسبب في ظهور التفاوت الطبقي الرهيب في هذه العصور.
⭐ الاستبداد والأخلاق:
● يبين الكاتب أن الاستبداد يستولي على عقول العامة الضعيفة فيشوه فيها الحقائق كما يهوى، فيصير طالب الحق فاجر، وتارك حقه مطيع، والخامل المسكين صالح أمين.
● ويرى الكواكبي أن الحكومات المستبدة ترغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق (التطبيل بمصطلحات زمننا الحالي)، في حين تعين شرار الناس على فعل المزيد من الفساد والانحراف.
⭐ الاستبداد والتربية:
● يوضح الكاتب أن الله خلق في الإنسان استعدادًا للصلاح، واستعدادًا للفساد، فأبواه يصلحانه أو يفسدانه، أي أن التربية تربو باستعداده جسدًا ونفسًا وعقلًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وحيث إن الاستبداد يسطو على النفوس فيفسد الأخلاق، ويأسر العقول فيزيدها جهلًا، تصبح التربية والاستبداد ضدين على طول الطريق، فكل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته.
⭐ الاستبداد والترقي:
● إن الفطرة الطبيعية للإنسان التي فطره الله عليها هي ميله للترقي في كافة أمور حياته، في قوته، وفي نفسه، وفي إنسانيته في العموم، بيد أن الاستبداد - في ظن الكواكبي- يحول سير الإنسان من الترقي إلى الانحطاط، ومن التقدم إلى التأخر، ومن النماء إلى الفناء.
⭐ وفي الجزء الأخير من الكتاب، يطرح الكواكبي مجموعة من التساؤلات الهامة، طالبًا من القراء الإجابة عليها، اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
● هل وظيفة الشعب الطاعة العمياء والانقياد للحاكم ولو كرهًا؟
● هل سلطة الحكومة امتلاك فرد لجمع، يتصرف في رقابهم، ويتمتع بأعمالهم، ويفعل بإرادته ما يشاء، أم هي وكالة تقام بإرادة الأمة لإدارة شئونها؟
● هل تملك الحكومة السيطرة على الأعمال والأفكار، أم أن أفراد الأمة أحرار في الفكر، وفي الفعل ما لم يخالف ذلك القانون؟
● هل للحكومة أن تخصص بنفسها لنفسها ما تشاء من مراتب العظمة، والرواتب، وتحابي من تريد بما تشاء من حقوق الأمة وأموالها؟ أم يكون التصرف في ذلك إعطاءً وتحديدًا ومنعًا منوطًا بالأمة؟
● هل الإرادة للأمة، وعلى الحكومة العمل، أم الإرادة للحكومة، وعلى الأمة الطاعة؟
● هل للحكومة تكليف الأمة طاعةً عمياء بلا فهم ولا اقتناع، أم عليها الاعتناء بوسائل التفهيم لتتأتى الطاعة بإخلاص وأمانة؟
● هل يكون وضع الضرائب مفوضًا لرأي الحكومة، أم أن الأمة تقرر النفقات اللازمة وتعين موارد المال، وترتب طرائق جبايته وحفظه؟
● هل لا تُسأل الحكومة عما تفعل، أم يكون للأمة حق السيطرة عليها لأن الشأن شأنها؟
⭐ ما يُعاب على الكتاب:
● النظرة شديدة الدونية للنساء من قبل الكواكبي، فهو يرى أن دورهن يقتصر على أنهن الحافظ لبقاء الجنس، وأنه يتفق مع من أسماهن في ذلك الوقت "النصف المضر"، معزيًا ذلك إلى أن الرجال يتحملون المشقة والمخاطر في الأعمال، بينما يقتصر نصيبهن من العمل على الأشغال الهينة بدعوى الضعف.
● عند الحديث عن العلاقة بين الاستبداد والدين، انتقل الكاتب للتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن، وقد حاولت جاهدًا أن أقف على العلاقة بين الأمرين، فلم أجد أي رابط بينهما.
● يؤخذ على الكتاب، رغم قلة عدد صفحاته، كثرة الإطناب والتكرار. فعلى سبيل المثال، كان من الممكن دمج مبحثي الاستبداد والأخلاق، والاستبداد والتربية سويًا، ومن ثم تقليص عدد الصفحات بمعدل ٢٠ - ٣٠ صفحة، دون أن يؤثر ذلك على ترابط الأفكار وتسلسلها، ناهيك عن بعض الأفكار المكررة في أكثر من موضع.
● من البديهي أن تتوقع وأنت تطالع هذا الكتاب أن اللغة التي كُتب بها هي العربية الفصحى، ولكنها ليست أي فصحى، إنها فصحى القرن قبل الماضي، ومن ثم فهي مليئة بالكلمات والتراكيب التي يصعب فهمها من الوهلة الأولى، والتي يتعين البحث عن معانيها لمواصلة رحلة القراءة بسلاسة.
⭐ اقتباسات:
● ما أليق بالأسير في أرض أن يتحول عنها إلى حيث يملك حريته، فإن الكلب الطليق خير حياة من الأسد المربوط.
● كما يبغض المستبد العلم لنتائجه يبغضه أيضًا لذاته؛ لأن للعلم سلطانًا أقوى من كل سلطان، فلا بد للمستبد من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علمًا، ولذلك لا يحب المستبد أن يرى وجه عالم عاقل يفوقه فكرًا ، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملق، وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: «فاز المتملقون».
● العوام هم قوة المستبد وَقُوتُهُ. بهم وعليهم يصول ويطول؛ يأسرهم، فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقائه حياتهم ؛ ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم، يقولون: كريمًا؛ وإذا قتل منهم ولم يمثل، يعدونه رحيمًا ؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليهم منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة.
● إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم ؛ وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النبات وعلى وطن يألفون غيره في أيام، وخوفه على كل شيء تحت السماء مَلَكَهُ، وخوفهم على حياة تعيسة فقط.
● كلما زاد المستبد ظلمًا واعتسافًا زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته، وحتى من هواجسه وخيالاته.
● قاتل الله الاستبداد الذي استهان بالعلم حتى جعله كالسلعة يعطى ويمنح للأميين، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض أجل، قاتل الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إلى الأمية فالتقى آخرها بأولها.
● إن أخوف ما يخافه المستبدون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزَّها ، والشرف وعظمته، والحقوق وكيف تحفظ ، والظلم وكيف يرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرحمة وما هي لذاتها.
● الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: «أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضرُّ، وخالي ،الذل وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال!».
● لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة!!!
● على قدر الهمم تأتي العزائم، بين السعادة والشقاء حرب سجال، العاقل من يستفيد من مصيبته والكيس من يستفيد من مصيبته ومصيبة غيره، والحكيم من يبتهج بالمصائب ليقطف منها الفوائد، ما كان في الحياة لذة لو لم يتخللها آلام.
● الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية.

