❞ الحياة والموت، الحلم واليقظة، محطات للروح الحائر، يقطعها مرحلةً بعد مرحلة، متلقيًا من الأشياء إشارات وغمزات، متخبطًا في بحر الظلمات، متشبثًا في عناد بأمل يتجدد باسمًا في غموض. عم تبحث أيها الرحالة؟ ❝
▪️رحلة من أمتع وأجمل الرحلات مع الرّحالة "قنديل ابن فطومة" - وهنا يجب الإشارة إلى إن اختياره للإسم تحفة ♥️- رخلة فلسفية ،سياسية، دينية بلمحة صوفية أحيانًا، بها الكثير من الرمزيات والإسقاطات.
تبدأ الرحلة من موطن "قنديل" بداية بدار المشرق، مرورًا بدار الحيرة والحَلَبة ،ثم دار الآمان و دار الغروب؛ ليصل - من المفترض- في النهاية إلى دار الجبل.
▪️دار الجبل من البداية تبدو المكان الأمثل للعيش "يوتوبيا" أو "جنة" (فسّرها كما ترى)، نستمر في الأمل مع الرّحالة بأن نصل إلى تلك الدار لنرى نهاية كل هذة التجارب الغريبة ولكن كلما اقتربنا منها كلما بدت بعيدة وكأنها سراب. سوف تدرك بمرور التجارب والبلدان أن لكل منا وجهة كدار الجبل لقنديل ، كلٌ على حسب اختياراته وقدراته، وهنا يُمتّع نجيب محفوظ القارئ بتركه لخياله وتفكيره ومع الكثير من الأسئلة التي تراوده، ولا تتخيل أن يقدم لك أيّ منها على طبق من ذهب.
بدأت بالمحطة الأخيرة في الرواية لأنها كانت بمثابة لبداية تعد بمغامرة جديدة.
▪️ أما الدّور المختلفة التي مرّ بها الرّحالة، فهي خليط مُبهر من المُشاهدات والمُعتقدات والأنظمة السياسية والتُساؤلات. هناك بعض التساؤلات تجعلك ترى لما كانت دائمًا كتابات نجيب محفوظ مثيرة للجدل ولما كان هو نفسه موضع اتهام في كثير من الأحيان، لكن سواء اتفقت أو اختلفت مع أسلوبه.. لا يسعك سوى الاعتراف بكونه كاتب عبقري.
▪️المشرق:
كانت بداية الرحلة. لو أردت تفسيرها كجزء من رحلة فهي بمثابة انطلاقة الشباب بعد تلقي القليل من الصدمات، وبعد رؤية مآل حال البلاد التي لا تسر ولا تعد بمستقبل أفضل.
المشاهد هنا كانت صادمة لكونها بدائية ، الإنسان في مجتمع صغير لا يحكمه شيء سوى رغباته وشهواته وحاجاته ، الخيرات الكثيرة، الحياة المتناغمة، وعبادة بدائية، هناك نظام ولكنه بدائي مسالم إلى حد ما. بدايات تكوين الإنسان لشيء ما يشبه المجتمع!
الحكم بيد السادة ويتم إغراق الناس في الجهل والشهوات حتى تظل هناك فئتين فقط سادة مُنعمين ، أثرياء ،آمنين ، بيدهم السلطة بحجة الحماية. والعبيد الشاكرين لوجود هؤلاء السادة!
والصدمة كانت هنا الاختلاف الواضح بين ما وجده قنديل هنا عمّ ألفَه في وطنه وفي بلاد الإسلام. طوال الطريق يحاول أن يجادل وأن يستنكر ولكن سوء أحوال الإسلام في بلاد المسلمين يُسكتُه كل مرّة. ومع الوقت يضطر بشكل أو بآخر للانقياد للسائر في هذا المجتمع إلى أن تنقلب الأمور.
ماذا يفعل الإنسان الذي يظن أنه قوي الإيمان إذا وُضع في اختبار أمام حرية مطلقة لفعل ما يريد؟
▪️ دار الحيرة :
وآه من هذة الدار. دار الملك الإله. تطل علينا نزعة الدول الاستعمارية التي تستبيح خيرات غيرها من الشعوب بدعوى التحضر والتحرر.
اتخذ الموضوع هنا قالب سياسي أكتر، البلد التي يحكمها ظالمون، ويتعاملون مع شعوبهم كآلهة وهم مجرد حفنة من السارقين. لكن الفرق هنا أن الشعب تبدو عليه أمارات التّحضر ، أو لنقل مدّعي التحضر. ومع ذلك تعلموا السرقة من ملكهم بنفس الحجة "تحرير العبيد".. ليرتكبوا جرائم حرب ويستعبدوا الناس بطريقة وحشية.
تكلم عن الحكام الفسدة التي تتوالى على عرش دولة ما، وسجونهم التي كانوا يلقون فيها كل الناس المعارضة سواءً من الناحية السياسية أو حتى لو كانوا فقط يتكلمون فيما يمكن أن يحرك فكر الغير ،وفي نفس الوقت ينتقد الناس التي تأخذ من الدين سلّم لتحقيق مكاسب سياسية ودنيوية وهما أبعد ما يكون عنه.
الجانب الفلسفي هنا بيعزز وبقوة فكرة إن دوام الحال من المحال وإن صفة الأمم تغير أحوال عبادها من العز للذل والعكس!
ورحلة الإنسان التي يمكن أن تنقلب في ثانية ،وحيرته بين الواقع القبيح والأحلام التي لا تتحقق.
▪️ دار الحَلَبة:
أكثر دار إثارة للجدل وأكثر دار بها حرية! لكن لا قيمة هنا لأشياء مثل الرحمة والعدل والأخلاق!
وبما أن الحرية هي سمة البلد هنا فقد وجد قنديل زوجة وابناء وتجارة ناجحة وأهل واندمج مع البلد وأهلها وظروفها ولكن ليس تمام الاندماج لأنه مسلم وأزعجته بعض الأمور..
بلد تعددت فيها الديانات أو فيها كل الديانات، الدين منفصل عن الدولة وقوانينها، بها مسلمون ولكن مسلمون مُتماشون مع حرية المجتمع الذي يعيشون به،ومن المنصف هنا أن محفوظ أظهر أن الشيخ المسلم وقنديل كلاهما يتفاخرون بشيء خاطئ، بشئ فيه اتباع أهواء أكتر منه اتباع لقيم ومباديء الدين الصحيحة.
مظاهرات لكل رأي ورأي معارض ،الكل حرّ ليعبر عما يريد ، ولكن مع الوقت تشعر بالبلبلة! وأن مع اختلاف الأهواء وإن وجدت الحرية فهناك نزاعات وخلافات لكل تيار فكيف يمكن أن يعيشوا بمثل هذا الاختلاف؟
و هل الفوضى هي النتيجة الحتمية للحرية؟
يجعلك تتسائل عن ماهية الدين ولا يفوتني أن في كلمات نجيب على لسان شخصياته يتضح حزنه على الإسلام في بلاد المسلمين.
وأيضا يظهر على قنديل الرحالة أن الإنسان مفطور على حبه للراحة والآمان والحياة الأسرية. إذا فلما نتقاتل طوال الوقت!!
الإنسان في رحلة الحياة تظل تطارده الحروب وهو في مكانه لا به ولا عليه، وعلى مايبدو أن سمة بني البشر التناحر !!
أعجبني رسم نجيب محفوظ لرحلة الحياة كثيرة التقلب كثيرة الأحداث وكأنك عشت معه دهرًا، ومع تقلب الأحوال يتقلب حال الإيمان أيضا بالزيادة والنقصان فلا ثابت في الدنيا.
▪️ دار الأمان :
هنا العملية والمنفعة العامة هما الصفة السائدة بين شعب البلد لا مجال للمشاعر والحب لا مرح ولا فراغ وكل هذة الأشياء تُعد مضيعة للوقت
الحاكم واحد وهناك حاشية، في مقابل قطيع يعمل ليل نهار، لا مجال للفكر أو للتساؤل ، أي شكوك في تغيير هذا النظام ينتهي بالموت. قد يبدو تقدمًا من نوع ما! لكن الإنسان هنا تحوّل لآلة لخدمة لا أدري ماذا! وعندما يكبر في العمر ولا يعود بمقدوره المساهمة في نظام العمل يوضع في مكان لم أره إلا شبيه بحديقة الحيوان مع مافيه من ترف.
انتهت الرحلة هنا بعد ١٠ أيام بالتمام لأن قنديل لم يرُقه الحال فيها. رغم العملية ومابها من إنجاز لكنها تحول البشر لقطيع خراف وتلغي إنسانيتهم، ومن يفكر أن يحدّ عن القطيع قيد أنملة يقطع رأسه!
▪️ دار الغروب:
بلد كلها غابات لا لها سور ولا حراس ولا حاجب وعلى ما يبدو بها أمان!
لا دليل للغرباء ككل بلد والناس هنا كأنهم تماثيل!
نأتي هنا للأجواء الصوفية، بما فيها من تدريب للنفس وترك الماضي ،وترك الدنيا والتأمل ،وكل ذلك تأهيلًا لدخول "دار الجبل" .
بداية الختام هنا مقولة على قدر المعاناة و الألم يكون الجزاء الحسن.
رحلة قصيرة أيضا ولكنها أطول من سابقتها ونجد فيها أن حتى من يختار السلام و ترك الدنيا لا يسلم من أذى الحروب والصراعات.
❞ بهذه الكلمات خُتِمَ مخطوط رحلة قنديل محمد العنابي الشهير بابن فطومة.
ولم يَرِدْ في أي كتاب من كتب التاريخ ذِكْرٌ لصاحب الرحلة
بعد ذلك.
هل واصل رحلته أو هلك في الطريق؟
هل دخل دار الجبل؟ وأي حظٍّ صادفه فيها؟
وهل أقام بها لآخر عمره أو رجع إلى وطنه كما نوى؟
وهل يُعثر ذات يوم على مخطوط جديد لرحلته الأخيرة؟
عِلم ذلك كله عند عالِم الغيب والشهادة. ❝
🔹نهاية الرحلة أو بدايتها كما سماها محفوظ متوقفة على الرحلة الخاصة بكل منا للوصول لما يُمثل دار الجبل أيًا كانت، ولإيجاد أجوبة لكل الأسئلة ونهاية لكل مُحير.
كانت قراءة مُثمرة و موفّقة ، ومثيرة للفكر والجنون معًا، من القراءات التي تجعلك تفكر وتتسائل وتقبل أحيانا وتستهجن أحيانًا أخرى كلام الكاتب.

