هذه كانت تجربتي الثانية مع الكاتبة نهى داوود بعد قراءة «جريمة العقار 47». في هذا العمل شعرت بأن الكاتبة تحاول أن تخرج من الإطار البوليسي التقليدي وتدمجه بعمق نفسي دفين: جريمة ليست حدثًا بحد ذاتها، بل مفتاحًا يكشف عن طبقات من الألم، الذنب، والهوامش الإنسانية التي نميل لتجاهلها.
الرواية تبدأ بقضية غريبة ومحيرة: نجية تظهر فجأة أمام جثة في شقتها، ومع مرور الصفحات تتكشف أمامنا أحداث أكثر غرابة، وثلاث جثث تتراكم واحدة تلو الأخرى، ما يُجسّد حالة من الارتباك الذهني لدى القارئ بقدر ما يثير فضوله. شخصية ندى الصحفية تحت التمرين، التي تجمع بين شغفها بالتحقيق وقدرتها على قراءة دواخل الآخرين، تضيف بعدًا إنسانيًا مهمًا إلى الرواية، وتجعلك تتساءل باستمرار: هل ما نراه حقيقة أم مجرد تحريف لواقع الإنسان؟
الجانب النفسي في الرواية جاذب بلا شك، خصوصًا في وصف نجية وماضيها المؤلم، وكيف يقود الألم النفسي إلى أن يتحول إلى لغز يستعصي على الحل إلى أن تصل إليه في نهايته. القارئ يجد نفسه في حيرة دائمة بين تعاطفه مع بطلة الرواية وبين التشكيك في دوافعها وذاكرتها، وهو إنجاز سردي جميل.
لكن بالرغم من هذا، توجد بعض النقاط التي أثرت على تجربتي. الحبكة تبدو في بعض اللحظات مشتّتة؛ فبينما يستمتع القارئ بالغموض والتقلبات، أحيانًا تتداخل الأحداث بطريقة تُضعف وضوح اتجاه السرد، وتجعل بعض الشخصيات تبدو أقل بروزًا ولمسة أقل تأثيرًا مما يستحقون. على سبيل المثال، بعض العلاقات الثانوية وقصص الحب لم تُوظَّف بشكل يخدم الحبكة بشكل فعّال، بل بدت أحيانًا وكأنها إضافات جانبية لا تعزز البناء الدرامي العام.
النهاية المفتوحة، رغم أنها محاولة لإبقاء المصير غامضًا، لم تمنحني الإغلاق الذي كنت أبحث عنه. ترك هذه العقدة معلّقة يمكن أن يراه البعض مساحة للتأويل والتفكير، لكنه بالنسبة لي ترك انطباعًا بنقص في الحسم النهائي. وهذا ما جعلني أرجّح تقييم الرواية 3/5: ممتعة في كثير من لحظاتها، ومبتكرة من حيث المزج بين البوليسي والنفسي، لكنها لم تصل إلى قوة متكاملة تبقى عالقة في الذاكرة بعد صفحة النهاية.
عمومًا، إذا كنت من محبي الأدب الذي يغوص في دفاتر النفس البشرية قبل أن يغوص في تفاصيل الجريمة، فإن هذه الرواية تقدم لك وجبة مشوّقة، لكنها تحتاج لتركيز وتقبّل لبعض التناقضات في البناء السردي.

