"وأنا لا أحبك فقط، ولكنني أؤمن بك مثلما كان الفارس الجاهلي يؤمن بكأس النهاية يشربه وهو ينزف حياته. أؤمن بك كما يؤمن الأصيل بالوطن والتقيّ بالله والصوفيّ بالغيب. لا. كما يؤمن الرجل بالمرأة." - رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان 🇵🇸 🇸🇾
هل هناك ما هو أسمى من تلك المشاعر؟ كيف يمكن أن يتسّع قلب شخص مُعتلّ البَدَن لوجع ضياع الوطن وقهر الشتات في البلدان وطعنات العشق المحبط يومًا بعد يوم؟ لا تتأتّى الإجابة سوى بالتعرّف على شخصية كنفاني شديدة الشاعرية، مرهفة الحِسّ، جبّارة الصلابة رغم هشاشته الفائقة أمام طغيان ولعه بالأديبة السورية غادة السمّان، والتي نشرت هذه الرسائل واصفة إياها بالسطور "التي أهداني إياها ذات يوم وطنيّ مبدع لم يكن قلبه مضخّة صدئة."
تكشف الرسائل فصولًا مدهشة من حياة كنفاني، نألفه شخصًا مُعذّبًا لا يخاتل ولا يرضى بأنصاف الحلول وظلال القيم ولا يقبل من العشق سوى أكْمَله، يلتهمه السكّري والنقرس ومن قبلهما محنة الوطن، يجد في غادته وطنًا دونه الشتات المطلق، يألف الغيرة ويرتضي نصال التهكم التي تعايره بلعق حذاء عشيقته دونما جدوى، ينزف شعرًا ونثرًا:
"وهأنذا متروك هنا، كشيء!
كيف تركتك تذهبين؟
كيف لم تُطبق كفّاي عليك مثلما يُطبق شراعٌ في بحر التيه على حفنة ريح؟
كيف لم أُذّوّبُكِ في حِبري؟ كيف لم أجعل من لهاثنا معًا زورقنا الواحد إلى قلب الحياة الحقيقي؟"
ومن خلال الرسائل نتعرّف كذلك على أجواء المشهد الثقافي في أواسط ستينيات القرن الماضي من خلال عمل كنفاني في المصوّر والمحرّر، وكواليس صياغته لمسرحيّته "القبعة والنبي" التي كتبها من أجل غادة. تقلّبت حظوظ كنفاني وراوغته الكتابة التي لم يدرك أنه قد ملك ناصيتها، إذ يقول:
"كنت أمشي على رُقع الجليد تلك، وليس كل ما كتبته كل ما قلته في حياتي كلها إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة."
رسائل بقيمة رسالات في الحُب والتغرّب والنّوى. جادك الغيثُ إذا هَمى يا فقيد، فقلبك لم يكن أبدًا "مضخّة صدئة".
#Camel_bookreviews

