لا يقدّم بول أوستر في هذا الكتاب وصفة للكتابة، ولا يحاول أن يعلّمك كيف تصبح كاتبًا، بل يضعك أمام الكتابة بوصفها حالة وجودية: قدرٌ يختاره الإنسان ويُختار له في الوقت نفسه. الكتاب يجيب عن أسئلة الكتابة الكبرى لا من باب التنظير، بل من باب التجربة الشخصية التي تتقاطع مع تجارب الآخرين دون أن تدّعي تمثيلهم.
النص ليس سيرة ذاتية صريحة، بل مجموعة تأملات هادئة ومتفرقة، يعود فيها أوستر كثيرًا إلى روايته 1-2-3-4، مستشهدًا بمقاطع منها، وكأن الكتاب امتدادٌ جانبي لمشروعه الروائي أكثر من كونه كتابًا مستقلًا عن "كيف بدأت".
أكثر ما يلفت في نبرة أوستر هو امتنانه العميق للكتابة رغم ما حملته له من صراعات. لا يتحدث من موقع المعاناة الخالصة، ولا من رومانسية مفرطة، بل من توازن واضح بين العشق والتعب. الكتابة لديه ليست خلاصًا، لكنها أيضًا ليست عبئًا؛ هي ببساطة الطريقة التي اختار أن يعيش بها.
الفكرة التي رسّخها الكتاب بوضوح هي أن كل كاتب يرى الكتابة على نحو مختلف، ولا توجد حقيقة واحدة عنها. ويُحسب لأوستر ميله الواضح إلى الاختصار ورفضه للإسهاب، وهو ما ينسجم مع فلسفته عن الكتابة نفسها.
الكتاب موجّه لكل مهتم بفعل الكتابة، سواء كان قارئًا يحاول فهم الكُتّاب، أو قارئًا لأعمال أوستر تحديدًا. لكنه، رغم جودته وصدقه، لم يصل إلى حد الإبهار، قراءة لطيفة، ذكية، لكنها لا تترك أثرًا طويل المدى.
كتاب يُفهم، يُقدَّر، ثم يُغلق دون شعور بالخسارة أو الدهشة.

