اسم الرواية : ما فعله داريوس
اسم الكاتب: أحمد ربيع
❞ الحكايات خالدة يا أوناس، ولا تفنى بموت أبطالها، ومهما مر من الزمان، ومهما طُمس من الحقائق، سيأتي اليوم الذي يعرف فيه الجميع الحقيقة. ❝
دي كانت أول تجربة قراءة ليا مع أحمد ربيع، واللي شدّني من أولها إنها رواية مش بتسعى تبهرِك بالحكاية وبس، قد ما بتحاول تهزّك بالسؤال قبل ما تديك أي إجابة.
«ما فعله داريوس» مش رواية تاريخية تقليدية، ولا شغل غموض قايم على اللغز لوحده، لكنها محاولة ذكية لتقديم التاريخ كحاجة عايشة، لسه ليها إيد في حاضرنا، ولسه بتطالبنا نواجهها.
الحكاية بتبدأ بهدوء مريب:
راجل في الأربعين، شُرفة على كورنيش إسكندرية، قهوة، عبد الحليم، ورسالة بسيطة تودّيه لحفلة موسيقى. كل حاجة عادية… زيادة عن اللزوم.
بس الهدوء ده ما بيطولش، ومع ظهور الدفتر الصغير كل حاجة بتتلخبط. دفتر مش ثابت، مش واضح، وكأنه كائن مراوغ، يبدّل كلامه، ويمسح صفحاته، وما يديش أي يقين.
ياسين، دكتور التاريخ، مش بطل تقليدي، وده اختيار موفّق جدًا؛ لأن الأزمة هنا مش بس في اللي بيشوفه، لكن في اللي فاكر إنه عارفه.
التاريخ اللي بيشرحه لطلبته، وينوّر بيه عقول غيره، فجأة يقف قصاده، ويبدأ يقدّم نفسه بشكل مختلف: كلمات بتتغير، صفحات بتفضى، وأحلام بتزق الوعي لحد ما الشك يوصل للنفس ذاتها.
المميز في الرواية مش فكرة الدفتر لوحدها، لكن استخدامه:
الدفتر عمره ما بيجاوب، هو بس بيسأل… بإلحاح.
وكأن أحمد ربيع بيقول لنا:
المعرفة مش هدية، المعرفة حاجة بتتخطف.
وبالتوازي، بناخدنا الرواية للقرن السادس قبل الميلاد، لعالم فيه السلطة ماشية جنب الخيانة، والتاريخ متشابك مع التزييف.
هنا الكاتب بيكسر الصورة الجاهزة عن سقوط جيش قمبيز، وبيعيد حكاية التاريخ من زاوية مختلفة، من غير خطابة ولا تلقين مباشر.
داريوس هنا مش مجرد اسم في كتاب تاريخ، ده رمز للي بيكتب التاريخ بإيد، ويمحي بإيده التانية.
التنقل بين الزمنين جاي هادي ومحسوب، من غير لخبطة ولا استعراض، وده يُحسب للكاتب، خصوصًا إن الرواية بتمزج بين:
التاريخ
الغموض
الفلسفة
والبعد النفسي
على المستوى الإنساني، شخصية طيبة من أجمل ما في الرواية.
مش بس “بنت الأستاذ الراحل”، لكنها إنسانة تايهة بين الحنين والفقد، وبين مشاعر ملخبطة ومحاولة تفهم نفسها وعلاقتها بياسين.
الكاتب ما قعدش يشرح إحساسها، سيبك تحس بيه لوحدك، بالدوشة اللي جواها، اللي ما بتتقالش بس بتتلمس.
لغة الرواية بسيطة وواضحة، من غير تكلّف، والمعلومة التاريخية جاية بسلاسة ومن غير حشو أكاديمي تقيل، دايمًا في خدمة السرد مش عبء عليه.
كمان قِصر الفصول وسرعة الإيقاع خَلّوا القراءة متصلة ومشدودة، من غير ملل.
النهاية، بالنسبة لي، كانت مُرضية؛ لأنها ما حاولتش تصدم وخلاص، لكن قفلت الفكرة بهدوء منطقي:
إن التاريخ مش عايز شفقة… قد ما عايز اعتراف.
ما فعله داريوس رواية بتسأل سؤال أكبر من حكايتها:
هو إحنا اللي بنختار التاريخ ندرسه؟
ولا هو اللي بيختارنا علشان يتحكي من جديد؟
عمل بيحترم عقل القارئ، ويفكّره إن الماضي مش زمن خلص، ده حقيقة لسه مستنية اللي يقراها بوعي.
#فنجان_قهوة_وكتاب
#مسابقة_حصاد_العام_مع_أبجد_وجروب_فنجان_قهوة_وكتاب

