الرواية: آخر وعود الأخت مارية
دار النشر: دار المصري
المؤلف: عمر عويس
هذه الرواية لا تُقرأ بوصفها حكاية واحدة، بل باعتبارها شبكة آلام تمتد عبر الأزمنة والجغرافيا. أبطالها الحقيقيون ثلاثة:
آن الإيرانية، هادي وعادل المصريان.
أما مارية، القادمة من بطن التاريخ، فليست شخصية بالمعنى التقليدي، بقدر ما هي شبح رمزي؛ تظهر فجأة ثم تختفي، لتعود في النهاية كفكرة لا كجسد. مارية هي الحلم القديم بالعدل، والوفاء لرابطة الأخوة، والوعد الذي لا يموت حتى لو تمزقت الأجساد.
الرواية – إذا تجاوزنا مارية – تقوم على ثلاث حكايات ثقيلة بالوجع، كل واحدة منها تحمل شكلًا مختلفًا من القهر:
قهر الجسد، قهر الفكرة، وقهر الذاكرة.
من طهران السبعينات إلى مصر، ومن الزنازين إلى المنافي، يبدو البناء في البداية متشظيًا، لكن مع التقدم في القراءة يتضح أن هناك خطًا دراميًا واحدًا محمّلًا بالألم، يقود الشخصيات – رغم تباعدها – إلى لقاء أخير صامت، حيث تختفي الكلمات، ولا يتبقى سوى ما سمّاه الروائي بدقة: نظرات الامتنان.
واضح أن الكاتب بذل مجهودًا بحثيًا كبيرًا، خاصة في رسم ملامح إيران في السبعينات، اجتماعيًا وثقافيًا، كما أن تطوره على مستوى الصنعة السردية ملحوظ.
لكن الرواية لا تخلو من عيوب، أهمها تدخل الراوي العليم بأحكام مباشرة، كما في مسألة زواج المتعة؛ فبدل أن تُقال الفكرة داخل النسيج الدرامي، جاءت أحيانًا كتصريح أيديولوجي، وهو ما يضعف الأثر الفني.
كذلك تظل مارية حلقة غير مكتملة؛ فحتى الصفحات الأخيرة يبقى السؤال معلقًا: ما الرابط الحقيقي بينها وبين بقية الحكايات؟ بل إن مصيرها الدرامي – كامرأة تمسكت بمسيحيتها حتى النفي – يثير تناقضًا يصعب تجاهله.
على مستوى الشخصيات، الرواية أكثر ثراءً نفسيًا من أعمال الكاتب السابقة.
شخصية آن تحديدًا مرسومة بعمق مؤلم: من اغتصاب العم، إلى زواج المتعة، إلى التمزق الداخلي بين الثورة والخذلان.
وكذلك عادل، الذي يحمل آثار التعذيب كخراب داخلي لا يُشفى.
ومع ذلك، فإن بعض الطروحات الفكرية على لسان آن، خصوصًا نقدها للثورة الإيرانية والدولة الدينية، بدت لي أقرب إلى إسقاطات معاصرة على الواقع المصري، إسقاطات فقدت تماسكها بسبب تهافت البناء الفكري للشخصية نفسها.
ورغم أن الرواية إنسانيًا ساحرة، ومكتوبة بلغة فصحى قوية وسرد ممتع، فإن الحدوتة نفسها ليست على مستوى براعة الصنعة. الكاتب هنا أكثر نضجًا تقنيًا، وأكثر قدرة على الربط بين الأزمنة والشخصيات، لكن القصة لم تبلغ الذروة التي توحي بها هذه الحرفية العالية.
هي رواية تُجبرك على التركيز، تنقلك فجأة من طهران إلى ملوي، ومن مصر إلى الولايات المتحدة، وتذكّرك بأن ما نسميه صدفة ليس إلا ترتيبًا خفيًا للقدر.
تحية في النهاية إلى روائي صاعد وبقوة، رواية تستحق القراءة، لا لأنها كاملة، بل لأنها تقول بوضوح إن صاحبها يتقدم بثبات، حتى لو تعثر أحيانًا في الطريق.
#فنجان_قهوة_وكتاب
#مسابقة_حصاد_العام_مع_أبجد_وجروب_فنجان_قهوة_وكتاب

