ثلاث جنازات > مراجعات رواية ثلاث جنازات > مراجعة Abd El Rhman Nasr

ثلاث جنازات - محمد يوسف الغرباوي
تحميل الكتاب

ثلاث جنازات

تأليف (تأليف) 4.2
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
4

ثلاث جنازات: حيوات تُروى على عجل قبل أن يُغلق النعش.

في رواية «ثلاث جنازات» يعود بنا الكاتب محمد يوسف الغرباوي إلى جمال وبساطة فعل الحكي، دون تعقيدات مفتعلة أو زوائد شكلية. في بضع دقائق فقط ـ هي زمن تجهيز الجنازة وأداء صلاة المتوفّى ـ نتعرّف إلى حكايات ثلاثة رجال، إلى حياتهم كما كانت، وإلى اختياراتهم كما تشكّلت.

لا تكتفي الرواية بسرد حكايات أبطالها الثلاثة فحسب، بل تفرض حبكة الأحداث علينا الإصغاء إلى قصص فرعية تتشعّب داخل حياة كل شخصية. ولم يواجه الكاتب أي عثرة فنية في هذا التداخل، بفضل اعتماده على الأسلوب الصوتي في السرد، وهو اختيار خدم الحكاية بذكاء، وقرّبنا أكثر من الشخوص، وجعلنا شركاء في اعترافاتهم لا مجرد متلقّين.

وما يميّز هذا العمل حقًا أن كل القصص، في ظاهرها، تبدو عادية جدًا؛ حيوات يمكن أن نمرّ بها أو نسمع عنها دون اكتراث. لكن مشاعر مثل الندم، والفضول، والغضب، والانتقام، والجشع، تلعب دورًا جوهريًا ـ ليس فقط في دفع الأحداث للأمام ـ بل في منح كل قصة نبضها الإنساني، وحرارتها الخاصة.

للصدفة أيضًا حضور لافت في تسيير الحبكة. ففي قصة الدكتور أحمد، تتعطّل سيارته، فيصادف شخصًا يمدّ له يد العون، يتبيّن لاحقًا أنه ميكانيكي يحمل حقيبة عدّته. ثم تتعقّد الأمور مع صديقه، ويجد نفسه عالقًا في مشكلة قانونية تتعلّق بميراث أسرته، لنعرف في لحظة كاشفة أن زوج خالة صديقه هو في الأصل محامٍ.

أما فتحي مليجي، الذي يفكّر في التوسّع بعمله بعيدًا عن ظلّ معلمه، فيدخل عليه في المقهى رجل يتضح أنه على علاقة وثيقة بتجّار بورسعيد، وقادر على تسهيل الطريق أمامه، بل يصبح سببًا مباشرًا في تحقيقه حلم الثراء السريع.

يتكرّر هذا النمط تقريبًا في جميع القصص. وللوهلة الأولى، شعرتُ أن هذا الاعتماد المكثّف على الصدفة قد يُضعف البناء الفني، لكن مع التقدّم في القراءة بدا الأمر أكثر صدقًا من أن يكون عيبًا. فالحياة نفسها كثيرًا ما تُدار بالمصادفات، والمثل الشهير: «رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد» شاهد دائم على ولادة أكثر التحوّلات غرابة في مصائر البشر.

ومجدّدًا، يحسب للكاتب إجادته لاستخدام الراوي الصوتي، لأنه ـ في مسألة الصدفة تحديدًا ـ لم يحوّلها إلى مأزق فني، بل جعلها جزءًا طبيعيًا من طريقة الحكي، تمامًا كما نفعل حين نروي حياتنا للآخرين، متتبّعين الخيوط التي التقت بلا تخطيط.

ولا يمكن إغفال الجو الخيالي الذي تدور فيه الرواية: ثلاث جثث تحكي عن حياتها، وهي تراقب لحظاتها الأخيرة فوق الأرض. فكرة تحمل قدرًا من العبث، لكنها مشحونة بإنسانية عالية، وتمنح النص مساحة تأملية واسعة.

كما يُحسب للكاتب إسقاطه الذكي للخط الزمني؛ فبينما نعيش سنوات طويلة مع كل شخصية، لا يتجاوز الزمن الفعلي للأحداث بضع دقائق ـ هي مدة صلاة الجنازة ـ . وكأن الرواية تهمس لنا بأن الحياة، مهما امتدّت، تظل قصيرة، خاطفة، وسريعة الزوال. ومن خلال اختيارات الأبطال، نتلمّس أيضًا قيمة القرار، وأثره الممتد، دون أن يُقال ذلك بشكل مباشر.

وهو ما أنقذ الرواية من الوقوع في فخ الوعظ أو المباشرة، وجعل رسائلها تتسرّب بهدوء، كما تتسرّب الحقيقة في أكثر لحظات الصمت كثافة.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق