ما دام العنوان هو "إيرينديل"، وما دمنا نستلهم "نجمة الصباح"، فليس للزمن هنا معنى من المعاني التي نعرفها، الزمن ليس خطًا متوجهًا إلى الأمام، ليس هناك قبل أو بعد، لكن الزمن هو اللحظة الحاضرة فقط، وهذه اللحظة مستعرضة بعرض الكون كله، تشمل الماضي والحاضر والمستقبل، هكذا تقول النظريات الحديثة حول الزمن، وهكذا تقول الفيزياء الكونية.
لذلك لن نتعجب عندما نرى "حياة علي إبراهيم المراغي" في أخميم ولن نتعجب عندما تتقابل مع "ميريت آمون" في رحاب المُقَّدسة حتحور، ولن نتعجب عندما تمر خمس عشرة دقيقة من وقتنا تكون "حياة" قد عاشت عمرًا بأكمله في حكاية ميريت آمون، ولن نتعجب عندما يحضر التاريخ كله في حوارات الجد والجدة في القاهرة، كل هذا وأكثر قدمته لنا الكاتبة البارعة "چيهان سليم" في روايتها المتميزة "إيرينديل - نجمة الصباح".
من أخميم إلى طيبة إلى القاهرة وبالعكس، وإلى أمكنة وأزمنة أخرى عديدة، أخذتنا چيهان سليم في رحلة مليئة بالزخم والاكتشاف والمعرفة.
استعرضت الرواية جوانب معرفية متنوعة، وفي سياق السرد ناقشت چيهان سليم عدد من القضايا التاريخية والاجتماعية والثقافية والدينية والعلمية وحتى اللغوية، مرت على تاريخ الاحتلال والمحتلين في مصر، ونظرت إلى دلائل صدق التاريخ وزيفه، وعظمة الحضارة المصرية القديمة والمعارف التي امتلكتها، والأنثروبوچيا المصرية، ومشكلات الثأر ومشكلات ميراث النساء، وسرقة الآثار، ومنظومة الأخلاق المصرية القديمة، وتعاليم ماعت، والإله والنيتر عند قدماء المصريين، وميثولوچيا الحضارات المتعاقبة على أرض مصر، وقصص التوراة والقرآن، ومعضلات القصص الديني مع التاريخ، وحقائق الفيزياء الكونية، واللغة المصرية القديمة، وتطور اللغات.
بعد عتبات الرواية، ركبت حياة القطار، ثم انطلقت كل الحكايات في خمسة عشر مشهدًا مزدوجًا، بين الماضي والحاضر، كل مشهد كان يبدأ في زمن ميريت وينتهي في زمن حياة، حتى وصلت إلى مقاطع المكاشفة والنهاية.
❞ أخذت الأحداث تجري أمام عيني.. كشريط فيلم سينمائي طويل.. تتوالى فيه أحداث «أخميم» ومشاهد «طيبة» وجلساتي المسائية مع جداي لأمي ❝
دارت أحداث قصتنا خلال إغماءة قصيرة لبطلتنا "حياة" تخللها هذيان غريب، وذلك بعد حادث اصطدام حفار بالتمثال المدفون، بعدها تداعت الحكايات خلال رحلة قطار العودة.
في حكايات طيبة، مع ميريت آمون ابنة الملك المعظم رمسيس الثاني، كانت هموم الوطن والحضارة والحماية، وهموم الأسرة والغرباء والعلاقات، وهموم متطلبات الواجب ومتطلبات الذات، وكانت الحكايات تضج بالصراعات والمراوغات والغدر والخيانة.
في حكايات أخميم، مع حياة المراغي وعائلة أبيها، كانت هموم الثقافة الاجتماعية البالية التي تزدري العدل والإنسانية، وتستقوى على قِيَّم الحق والخير والجمال، وتنزع المعنى من الأشياء، وكانت الحكايات تضح بالقسوة وسوء الفهم والألم والأمل.
في حكايات القاهرة، مع حياة وجِدَّيها لأمها، كانت هموم التاريخ والحقيقة والزيف، وكانت الحكايات تضج بكل من الحقائق وما يُظَن أنها حقائق.
كان الراوي يعلن عن نفسه ومكانه وزمانه في بداية كل مشهد أو مقطع، ثم يغوص في حكايات ميريت ومن معها في مصر القديمة، ثم يغوص في حكايات حياة ومن معها في أخميم والقاهرة.
إيرينديل، نجمة "صباح الكون"، التي عاشت حياتها القصيرة وماتت منذ مليارات السنين، لكنها صارت تتألق في الآفاق، وما زال نورها يضيء الليل ويداعب النهار.
ميريت آمون، أميرة "صباح التاريخ"، التي عاشت حياتها القصيرة وماتت منذ آلاف السنين، لكنها صارت تتألق في الحكايات، وما زال طيفها يلهم القلوب ويشجي النفوس.
❞ لعل قوتك التي بين الارواح تكون طاهرة. لعلك تمسك لنفسك بإحدى النجوم غير الفانية. قف وانهض بنفسك.. لعلك تصعد مثل نجمة الصباح ❝
كانت ميريت آمون هي إيرينديل الأرض، وكانت حياة هي ميريت الحاضر، فهي لم تكن رواية عن السماء والماضي، لكنها رواية عن الأرض والحاضر، رواية تبحث عن الإنسان والمستقبل.
❞ ليس لكل بداية نهاية.. فبعض النهايات بدايات ❝
عندما أدركت حياة ذلك في المكاشفة الأخيرة، وأدركت أن ما يدق في صدرها ليس قلب النهاية ولكن قلب البداية، قررت أن تبدأ حياتها من جديد.
سلام على ميريت آمون، كاهنة حتحور، وسيدة الأرضين، وسلام على حياة، فتاة الألم والأمل، وابنة الوادي.

