السعي للعدالة > مراجعات كتاب السعي للعدالة > مراجعة BookHunter MُHَMَD

السعي للعدالة - خالد فهمي, حسام فخر
تحميل الكتاب

السعي للعدالة

تأليف (تأليف) (ترجمة) 4.5
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

❞ لم تنشأ تلك الدولة الحديثة بغرض خدمة المصريين. وشددت من سيطرتها على أجسادهم وتحكمت فيها بشكل غير مسبوق، بل مدت آفاق تلك السيطرة إلى ما بعد الموت، وأخضعت جثث الموتى لكشف متمعن ودقيق. ولكن، لم يدخر المصريون في سعيهم للعدالة أي جهد يمكن أن يدفع تلك الدولة إلى خدمتهم. ولم يوقفهم أي شيء في سعيهم المستمر من أجل العيش في سلام، والموت بكرامة. ❝

ما الذي يربط الطب بالفقه و السياسة و ما علاقة ذلك بالدولة الحديثة؟ و ما علاقة كل ذلك بالعدالة و بالسعي لها؟ مشروع خالد فهمي يتمحور حول الانسان المصري. يبني لبنات التاريخ الاجتماعي السياسي لمصر في دولة محمد على و التي اتفق على تسميتها بالدولة الحديثة.

تابعت مشروع خالد فهمي منذ كل رجال الباشا الذي حكى كيف بنى محمد علي جيشا حديثا ثم أدرك أنه بحاجة إلى أن يبني دولة أيضا. هنا ننتقل إلى الخطوة التالية. إذا كان الجسد العسكري هو عمود الدولة الحديثة فروحها هي العدالة. العدالة بوصفها أداة حكم وسلوك دولة لا بوصفها فكرة مثالية مجردة أو شعورا ذاتيا بالمظلومية.

يعتمد فهمي على الوثائق الرسمية المؤرشفة. لكنه لا يكتب تاريخ الدولة كما أرادته الدولة بل يبحث في الرسميات عن الروايات الشعبية. شكوى مواطن. قضية مفتوحة. خلاف بين موظفين حول صلاحية الضبط والعقاب. سجال بين شيخ وطبيب حول كشف العورات أو تشريح جثة. من هذه التفاصيل الصغيرة تصنع صورة كبيرة للسلطة والمجتمع والتاريخ. هنا نرى الناس لا في صفحات الحكايات الشعبية بل في قلب أرشيف السلطة نفسها.

يدخل الكاتب في اشتباك فكري وتاريخي مع عدد من الأساطير الراسخة في وعينا العام. الأسطورة التي ترى أن القوانين الوضعية تم فرضها علينا من الغرب وأن نخبنا انساقت إليها انبهارا وتغريبا. الأسطورة التي تفترض أن استبدال العقاب البدني بالحبس كان تقليدا لأوروبا. الأسطورة التي تزعم أن المشرع المصري كان مجرد تابع للقانون الهمايوني أو الفرنسي. فهمي يفكك هذه السرديات كلها. يرينا أن الحاجة كانت مصرية. وأن التحول كان داخليا. وأن الدولة الحديثة لم تنشأ لخدمة الناس بل للسيطرة عليهم وإدارتهم بكفاءة. وأن العقلانية الإدارية كانت أقوى من كل الشعارات الأخلاقية.

كما يخالف الإسلاميين في تصورهم للحسبة والمحاكم الشرعية. لا ينكر دور الفقه في تنظيم المجتمع لكنه يضعه في سياقه التاريخي. يميز بين رقابة أخلاقية تقليدية ذات نطاق محدود وبين دولة حديثة تتدخل في كل تفاصيل الجسد. من الختان إلى التجنيد إلى التشريح. العدالة الحديثة هنا لم تعد صوت الشريعة في المجتمع بل صارت عين الدولة على أجساد مواطنيها.

ويتتبع الكاتب تاريخ الطب في مصر لحظة بلحظة. من مقاومة المصريين للمستشفى العسكري في البداية إلى تعودهم عليه ضرورة. من رفض تشريح الجثث إلى اعتباره وسيلة لإثبات الجريمة وتحقيق الحق. يصبح الجسد وثيقة رسمية. يصبح الألم معلومة. ويصبح الموت إجراء إداريا يمر عبر قنوات الدولة. هنا تظهر قوة الطب الجنائي في تثبيت حقائق لا يمكن إنكارها. شهادة الجسد تصبح أقوى من شهادة شاهد العيان.

وبين السطور نرى مصر وهي تخطو بقوة في طريق الحداثة. بجوار أوروبا التي سبقتنا بسنوات طويلة لكننا وقتها كدنا نلحق بها ونمسك بتلابيب التنمية. بينما كانت الدولة العثمانية التي ننتمي لها سياسيا تتعثر بثقل إرثها وتنوع شعوبها. داخل هذا المشهد يظهر الهرم الاجتماعي بكل طبقاته. الخديوي والبشوات ومجالس الحكومة. الأفندية والمتعلمون. التجار وأصحاب السوق. العبيد والنساء. مجتمع كامل يهتز تحت ضغط التغيير ويقاومه أو يتكيف معه.

هذا الكتاب مرآة لتاريخ حقيقي. ولكنه مرآة غير محايدة. فهو لا يعرض ما حدث فقط بل يحلل ويؤول ويملأ الفجوات ويرى ما لا تراه الوثائق وحدها. وكأنه يستعين بمرايا الجدّات السحرية في الحواديت لكن بعيون مؤرخ أكاديمي منضبط. ينبش الماضي من أجل فهم الحاضر لا من أجل تعظيمه أو التباكي عليه.

اللغة التي كتب بها خالد فهمي في الأصل واضحة وبسيطة. والترجمة التي قدمها حسام فخر تستحق ثناء خاصا لأنها لا تشعرك لحظة أن هذا النص لم يولد بالعربية. ترجمة جعلت الكتاب سلسا دون أن تضحّي بدقته الأكاديمية.

قرأت الكتاب في نحو شهر. لم يكن سهلا ولم يكن صعبا. كان يحتاج تركيزا ووقتا للتفكير بعد كل فصل. لكنه قراءة مستحقة. تجربة ممتعة في المعرفة والتأمل. ينصح به للمهتمين بالتاريخ والاجتماع السياسي. ولمن يرغب أن يفهم كيف أصبحت الدولة الحديثة تملك أجسادنا وتعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا. وكيف لم نتوقف رغم كل شيء عن السعي للعدالة. السعي للعيش في سلام. السعي للموت بكرامة.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق