هذه ليست مراجعة بمعناها الشامل، لكنها مجرد ومضات سريعة وخاطفة حول أبرز إيجابيات وسلبيات كتاب "حول العالم في 200 يوم" للكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور.
قام الكاتب برحلاته في عام 1960، أي قبل حوالي 65 سنة، ومن ثم فإنه من حكم المؤكد أن جزءًا كبيرًا مما يتعرض له هذا الكتاب من شكل المدن وطبيعتها، وأزياء شعوبها وخلافه قد طرأ عليه تغييرًا واسعًا، إن لم يكن كليًا في عديد المجالات، مثل وسائل المواصلات، وأساليب البناء والترفيه وغيره.
يشمل الكتاب رحلات للهند وسيلان "سريلانكا حالياً" وأندونيسيا والفلبين وجزر المالديف وسنغافورة وأستراليا وهونج كونج واليابان وجزر هاواي وأمريكا.
عدد صفحات الكتاب 642 صفحة بالتمام والكمال، وهذه واحدة من أبرز سلبيات هذا العمل، لا سيما وأن هناك الكثير والكثير من الحشو والسرد الطويل لدرجة باعثة على الملل في أوقات كثيرة، للحد الذي جعلني أفكر أكثر من مرة في التوقف عن القراءة. وبرغم ذلك، فإنها ليست النقطة السلبية الوحيدة.
السلبية الأخرى التي ازعجتني كثيرًا على مدار رحلة قراءتي هي التركيز المفرط على النساء، والحديث هنا ليس عن ثقافتهن أو علمهن أو حتى جهلهن، لكن البؤرة كانت مسلطة بشكل كبير على أجسادهن ومفاتنهن، ولا مانع كذلك من التنمر على بعض العيوب الشكلية في هذه النساء هنا أو هناك.
وهنا، سأضرب ثلاثة أمثلة حتى لا يكون الكلام فضفاضًا وغير محدد:
المثال الأول: "بالاختصار، الأجسام هنا جميلة مائة في المائة.. والوجوه 90٪ منها مش ولابد.. يعني يجب أن ترد إلى أصحابها لإصلاحها قبل عرضها في السوق".
المثال الثاني: "وفي الصينيات عدد كبير جدًا من السيدات الصلعاوات.. سيدة صلعاء أو قرعاء، شيء فظيع، وإذا أضيف إلى هذا بشاعة وجهها".
أما المثال الثالث والأخير فهو الأبشع من وجهة نظري، وإن كان الكاتب يرويه على سبيل الدعابة، وهذه كارثة أخرى، إذ يقول:"هزي رأسك زي ما أنا عملت للجرسون.. اغمزي بعينك.. طيب اعطسي.. طيب خدي نفسك، انفخي بمناخيرك زي كلب البحر. على فكرة إحنا عندنا أكبر جنينة حيوانات في الدنيا.. وفيها حيوان زيك.. ساكت زيك".
لم أعتبر هذا الكتاب كتابًا في أدب الرحلات، بقدر ما اعتبرته كتابًا في التاريخ الحديث، وإن شئت قل كتاب جغرافيا، مكتوب بلغة سلسلة تحوي الكثير من العامية المصرية، على الرغم من أن الكتاب خرج للنور في أوائل الستينيات، وعلى ما أزعم - وإن لم أكن متأكدًا- من أن الكتب حينها كانت تكتب بالعربية الفصحى التي تختلف جذريًا عن فصحتنا في العصر الحديث.
ألبوم الصور بعد نهاية كل رحلة من ضمن مميزات هذا الكتاب، وبديهي أن تكون صورًا غير ملونة، لكن الكثير منها كان معبرًا، بل لن أبالغ إذا قلت إن استعراض الصور كان أكثر متعة من أجزاء كثيرة من هذا الكتاب.
من العلامات المضيئة أيضًا الغلاف، وبالتحديد أتحدث عن الطبعة التي بحوزتي (الطبعة الحادية عشرة - دار نهضة مصر)، فالغلاف جاء مميزًا ومعبرًا للغاية عن مضمون الكتاب (رحلات للشرق الأقصى وجنوب شرق آسيا).
في نهاية المطاف، توقعت أن أخرج بمتعة أكبر من الكتاب وكنت متحمسًا وبشدة لقراءته، لا سيما أني كنت من متابعي عمود أنيس منصور "مواقف". لكن الكتاب جاء دون مستوى توقعاتي، ولهذا قيمته ب 3 نجوم.
اقتباسات:
ليس من المهم أن تكون أول من يعمل شيئًا وإنما المهم هو أن تبقى وأن تستمر وأن تصبر . والمثابرة تغلب الذكاء، والصبر يغلب الحظ... والعبرة دائما بالنتيجة
أنا لم أعرف أن طفولتي كانت تعيسة، وأنها كانت كطفولة الدجاج في الحارة أو الكلاب الضالة إلا عندما ذهبت إلى اليابان، فقد رأيت أسعد طفولة ... رأيت أطفالًا في ملابس رجال، ورأيت رجالًا في سعادة الأطفال.
واليابان هي المثل الأعلى للدولة التي تقف على قدميها وتضع هاتين القدمين فوق أكتاف الآخرين. والمثل يقول: إن القزم من الممكن أن يرى أكثر من العملاق إذا وقف على كتفيه.
في الهند تعلمت أن الدنيا من الممكن أن تعيش من غيري.. وأن الناس يعيشون حياتهم ويمشون على نظام خاص وأن هذا النظام سواء أعجبني أو لم يعجبني فلن يغير هذا شيئًا .. فإما أن أسكت أو أخرج من البلاد. وفي إندونيسيا يضحك الناس دائما ولا يعملون إلا القليل.. وفي الصين يضحك الناس كثيرًا ويعملون كثيرًا. وفي اليابان مؤدبون ضاحكون وقدرتهم على العمل خارقة.. يعني من الممكن أن يكون الإنسان مؤدبا وباسما وناجحا في عمله...
وكان الشاعر الفرنسي فيكتور هيجو يعزو عظمته إلى شيء واحد هو أنه يكتب كل يوم.. وكان شعاره سطر واحد كل يوم!
عند الناس من المشاغل والهموم والمعارك اليومية ما يشغلهم عن غيرهم وعن أنفسهم.. فكل واحد مشغول بالنجاة فقط.. بالنجاة من الفقر والمرض والنسيان.. وهم لكي يعيشوا يجب أن ينسوا.. ولكي يعيشوا يجب أن يدوسوا غيرهم أيًّا كان هذا الغير.
مسكين عرابي باشا عاش كريما في المنفى، ومات ذليلا في وطنه
إن هذا الإحساس بأنك على سفر دائما.. بأنك ستترك أناسًا وتلتقي بأناس.. بأنك ستفقد أحدًا، أو ستكسب أحدًا.. هذا الإحساس يسكرني .. إن أتعس شيء في الدنيا أن نكون «هنا» دائمًا.. أو نكون «هناك» دائمًا.. ألا نفقد أحدًا .. ألا نكسب أحدًا.. أن تكون أنت وظروفك وبيئتك وكل الناس مثل توءمي سيام لا تنفصلان أبدًا...
ومكانة المرأة تدل على عقلية الرجل .. لأن الرجل هو الذي يضع القوانين وهو الذي يطبقها. ولا شيء يدل على عقلية الرجل ومدى ثقافته وتقدمه أو تأخره غير نظرته إلى المرأة.
ولكن يكفيني أن أذهب إلى مكان جديد. فأي بلد جديد هو الجنة بالنسبة للبلد الذي قبله... فليس أروع ولا أمتع من رؤية بلد جديد.. من معرفة شيء جديد.. من الخوف من جديد والقلق من جديد.. والاطمئنان من جديد
قررت أن أمسك نفسي، ألا أصرخ ألا أكون عصبياً قررت ألا تكون لي أعصاب. قررت أن أكون مثل بيت انقطعت منه أسلاك النور والراديو والتليفون. وحتى عندما تسري الكهرباء في هذه الأسلاك يجب أن تكون فلسفتي هي ودن من طين والودن الثانية من طين أيضًا. لماذا؟ لأنه لا فائدة من الصراخ .. لا فائدة من الثورة.. فأنا لا أستطيع أن أصلح الدنيا حولي . ولا أستطيع أن أغير طباع الناس لكي تعجبني. يجب أن أتغير أنا.. لا لكي أعجب الناس، ولكن لكي أعيش مع الناس؛ حتى لا أصطدم بالناس أو على الأقل لكي أستريح...
ليس صحيحًا المثل الذي يقول : فاقد الشيء لا يعطيه ! فأنا فقدت الطمأنينة، ومع ذلك أعطيتها له، بل الذين يفقدون الأمل هم الذين يتحدثون عنه . والذين يفقدون الحب هم أكثر الناس تغنيا به .. إن الشمس التي هي مصدر الحياة للدنيا كلها، ليست فيها حياة
الدهشة هي بداية المعرفة الإنسانية.. فالإنسان يندهش وبعد ذلك يتساءل.. وبعد أن يتساءل يفتش عن الإجابة. وقد تساءلت كثيرًا جدًّا، وحاولت أن أجيب بقدر ما أستطيع.