أنهيت قبل قليل رواية "صحراء التتار" للكاتب الإيطالي دينو بوتزاتي، وهي واحدة من تلك الروايات القليلة التي تتركك في نهايتها ممزقا ترثي لحالك أكثر مما ترثي لحال بطل الرواية البائس ... حتى إنك تكاد تشك أنك قرأت لتوك نفسك وتفاصيل حياتك، أي وكأنها سيرتك أنت لا سيرة الجندي "دروغو جيوفاني"!
الرواية تحمل عنوانا كبيرا باسم "وهم الأمل" ذلك الذي يدفعك لتقضي جل عمرك/ غربتك/ عملك إلخ في انتظار التغيير المهم الكبير الذي عشت لأجله، والذي للأسف لا يأتي، وإن أتى، أتى متأخرا جدا ...
(إن كنت تنوي قراءة الرواية فتوقف هنا، فأنا لن أحرقها فقط ولكن سأضرم النار في جنبات فصولها!)
دروغو جيوفاني شاب عشريني في مقتبل حياته العسكرية، يُكلّف بالخدمة في حصنٍ بعيد على الحدود، يمكث فيه الجنود -بشتى رتبهم وفترات خدمتهم- بانتظار هجوم العدو (الذي لا يأتي) ممارسين طقوس أيامهم المتكررة والمملة، من نوبات الحراسة، وبروتوكولات تبديل الجنود، وتراتبية الخدمة، وروتينا صلبا دقيقيا بلا هدف، فالسنوات تمر والعدو لا يظهر.
وتتحول فترة الشهور الأربع التي كُلف بها جيوفاني، إلى سنتين، فأربع، فخمس عشرة سنة، فثلاثين سنة، إلى أن يتجاوز الخمسين من عمره، ويترقى فيصبح نائب قائد الحصن ... لكن العدو لا يأتي!
وجيوفاني وغيره من الجنود، يُكلّفون بهذه الخدمة في الأصل لعامين فقط، لكن معظمهم يختار البقاء بنفسه إلى سن التقاعد، بعدما يطبعهم الحصن بروتينه الدقيق، فيفصلهم عن حياة المدينة الطبيعية الهانئة التي جاءوا منها، ويسحرهم انتظار العدو من الشمال، حتى وإن غابت الدلائل عن وجوده أصلا.
يمرض جيوفاني في آخر خدمته مرضا شديدا، وبينما هو يصارع الموت على فراشه في أيامه الاخيرة يهجم العدو لأول مرة منذ إقامة الحصن، لكن سنه المتقدمة ومرضه الشديد يدفعان قائد الحصن (صديقه وزميله القديم) إلى إعادته إلى المدينة، ليستعمل غرفته فيُسكن بها بعض جنود التعزيزات التي وصلته للتصدي للعدو المقترب.
وبذلك يكون جيوفاني قد أضاع سنين عمره كلها في الحصن انتظارا لمعركة، ما إن تأتي حتى يُطرد هو منه، فيموت في نُزُل موحش على الطريق، وحيدا بلا عائلة ولا أصدقاء ولا مجد ولا بطولة.
أتيحت لجيوفاني عبر سنين عمره الكثير من الفرص لترك الخدمة، أو لطلب النقل إلى حصن آخر، أو للعودة إلى المدينة والخدمة فيها وإنشاء عائلة، لكنه رفض كل ذلك طوعا، كما رفضه قبله رؤساؤه الذين تقاعدوا واحدا تلو الآخر فعادوا إلى مدنهم الأصلية وقراهم دون أن يحققوا أملهم في حرب انتظروها فلم تأتِ.
في المشاهد الأخيرة يرى جيوفاني، في النُزُل الذي يقضي فيه، طفلا ينام في مهده، فيحسده على نومه الرقيق الهادئ، وعلى خلو باله من أهداف الكبار الغامضة، وآمالهم الخادعة ... يزوره الموت في غرفته المظلمة، وفي اللحظة الأخيرة يقنع بنهايته الصامتة الوحيدة فيبتسم.
رواية صعبة ذات نهاية مؤثرة، تفهم منذ البداية رمزيتها العميقة في تمثيل رحلة الحياة/ الغربة/ العمل/ الأمل إلخ، وتجوب بك في تعرجات الفراغ والخواء الذي تحمله الأيام المتكررة المتشابهة، والآمال التي تبتعد وإذا ما أتت أتت متأخرة.
إن الحصن الذي يتحدث عنه الكاتب هنا هو حياتنا الطويلة المملة، وجيش الغرباء الذي لا يصل هو طول أملنا الذي لا ينتهي إلا لحظة الموت.
#صحراء_التتار
#مراجعة_رواية





