الكتاب رقم أربع وثلاثون من العام 2025
البرهان 2 The Notebook Trilogy
الجزء الثاني من راوية الدفتر الكبير
أغوتا كريستوف Ágota Kristof
عن جنون الحرب والبراءة المهدورة
ترجمة محمدآيت حنا
""إن طبيعتك الشغوفة والقلقة قد تدفع بك بعيدا، حتى أسوء الأقاصي. لكن لتحفظ الأمل. إن رحمة الإله لا حدود لها""
""لدى قناعة يا لوكاس، بأن أي إنسان إلا وولد ليكتب كتاباً، ولم يولد لسبب غير ذلك. قد يكون كتاباً رائعاً، أو يكون متواضعاً، لا يهم، المهم هو أنّ من لا يكتب كتابه، لن يكون سوى كائنٍ ضائعٍ، كائن مر فوق هذه الأرض دون أن يخلفّ أثراً""
في الدفتر الكبير اخبرتنا المؤلفة عبر السرد بضمير الجمع المتكلم، أي أن الطفلين معا يسردان الحكاية، ويتحدثان عن نهاية غريب، ينفصل التوأمان عن بعضهما بعضا، وهما اللذان ظلا متلازمين طيلة سني الحرب. يختار أحدهما الانتقال إلى الجهة الأخرى محمّلا ببعض الكنوز، في حين يظل الآخر في كوخ الجدّة وفي القرية التي ساهمت بتحويله إلى وحش لهول ما عاشه ورآه.
ربّما يكون في اختيار ضمير الجمع ترميزا من الكاتبة إلى تبكيت صوت الفرد ودوره في أوقات الحروب الطاحنة التي يكون الأفراد وقودها وجمرها فقط دون أي اعتبار آخر.
وترصد بذور ظهور حالات النزاع والعنف بعد أن تضع الحرب أوزارها، فتشتعل شرارة حرب جديدة مختلفة، لتفجّر قنابل مجتمعية موقوتة وتدفع إلى تصفيات وانتقامات لاحقة منبوذة تساهم في تعميق الجراح وتشويه معالم المدينة والمجتمع، بحيث تعثر على مَن يبتهج أنه مهزوم أو مبتور الأطراف أو مشوّه، وأنه ليس ميتا.
لكن في البرهان هنا نتذكر المثل الدارج في الحروب (من مات ارتاح ونجى وليس ضحية فالضحية هم المدنيون الذين بقوا في مناطق مدمرة وهذا ينطبق على اهل غزة للأسف من مات نجى ومن عاش ضاع )..!
فهؤلاء الذين ارتقت أرواحهم عند ربهم قد قطعوا الطريق الأسهل، الخلاص من شرور الحياة وما ستخلفه الحرب من آثار تأكل من الروح ما شاءت فهل هذه هي الحياة التي نقاتل للبقاء من اجلها؟
في البرهان ، الجزء الثاني من الدفتر الكبير ، نكتشف ذلك مع كل من استطاعوا البقاء، لكنه فناء للروح، عبث يأكل من أنفسهم حتى تحولوا إلى أشباح يتحركون بلا رغبةٍ، وتحولت حياتهم إلى يأسٍ بالنهار وكوابيس ليلًا، وامتلأت الطُرقات بذكريات أحباء رحلوا وقُتلوا أو ضاعوا مع المفقودين
هنا عرفنا اسم الأطفال الذين كبروا بعد عن قهرتهم الحياة ولكن ما يهمنا هو لوكاس" الصبي صاحب الخمسة عشر من الأعوام له روح إنسان تمزّق من رحيلٍ وفقدٍ. إنسان له قلب لكن أهلكوه، إنسان يريد أن يملك مشاعر مثلنا لكن شوهوا روحه، أغرقوه في بحر من الظلمات، فتاه وصار أجوف المشاعر لا يرغب بأي أمرٍ..!
، يُقال أنك تستطيع أن تقرأ الأجزاء مُنفصلة ولكن بنظري لن تتذوق وتشعر بمرارة الفقد في حياة " لوكاس" إلا حين ترى كم كانت حياته مليئة بالأحبةِ!!...
مثلما كان الدفتر عن الحرب والحياة في ظلها الان نناقش تبعات الحرب والحياة بعدها وأقول تبعات الحرب وليس الحرب لأنه لا وجود هنا لمظاهر الحرب المعتادة التي دائمًا حاضرة في ذهننا؛ الطائرات والرصاصات والجيوش والدم (الصورة المعتادة) لكنها تصوّر تبعات الحرب وتأثيراته في نفوس من يعيشوها حتى أصبحت نفوسهم مشوهة؛ فلا تصورهم على أنهم ملائكة، أبطال، شهداء، يرغبون في الموت لأجل تراب الوطن (الصورة المثالية) هذه الصور هي التي طالما كنا نقرأ عنها وتثير إعجابنا.اعجابنا هي تلك الصور التي دائمًا ما تقوم بتركيز "الكادر" على الفئة القوية، المحاربون أو من يستطيعون المقاومة وتنسى أو تتناسى أن كل شعب (وأي شعب) يشكّل الضعفاء منه أغلبه، لكن الضعفاء هم دائمًا المهمشين.
لو اردنا عكس تلك الصورة على حرب الإبادة لوجدنا الشعب هو من دفع الثمن وحده لقد دمرتهم الحرب، ولا نتحدث هنا عن الجرحى الذين اصبوا او بترت اطرافهم او من اصبح من ذوي الإعاقة ربما كما عبل عنها لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير تحت بند الشعوب المجرمة .
لو اخذنا الطفل المشوه مانياس : وهو طفل مشوه نتيجة علاقة مشوهة والذي رغم ذكاءه ونضجه لا يستطيع تجاهل حقيقة أنه بطريقة ما مختلف عن الآخرين من سنه، ولا يستطيع تفادي فظاظتهم وهو العنصر الأبرز في الحرب لأنه نتيجة مأساة .
وكل شخصية من شخصيات الرواية هي مأساة بحد ذاتها لكن من بين الجميع كان أكثر من تعاطفت معه هو ذلك الطفل، ربما لأنه أكثرهم براءة وسوء حظ منذ ولادته وحتى نهايته .
الرواية هنا ناقشت نفسيات الحرب بشكل مفصل من الشخص الهادئ رغم انه لا هدوء في الحرب ولا فلسفة بل نشاهد غرابة الشخصية والمرض النفسي والحرب تصنع كل هذا.
هنا تحدثت الكاتبة عن معاناة لوكاس الذي بقي بعد نجاح اخيه كلاوس في الهروب وعبور الحدود
حياته بعد فقده نصفه الاخر هو ليس بنصفه هما كانا يعيشان كشخص واحد بروح واحدة..
نماذج عدة لأشخاص دمرت الحرب حياتهم ... قتلت نصفهم الاخر، سلبت منهم اهم سبب لاستمرار حياتهم، بترت جزء منهم
اخ يفقد اخيه التوأم، فضل طريقه وأصبح هائماً في الحياة بلا هدف واضح وينتظر اليوم الذي يلتقي مرة بأخيه ليطلعه على كل ما سجله في يومياته في (الدفاتر الكبيرة) ويتوقع ان اخيه فعل مثلما فعل وسينتظر قراءة ما دونه اخيه
.. كلارا امينة المكتبة ...زوجة شنقوا زوجها امام اعينها... اكتشفوا بعدها براءته ... فأرسلوا لها خطاب اعتذار عن هذا الخطأ
مايكل.. ذلك المهندس الذي قتلوا زوجته في غرفة نومها ليتُاح لهم تأميم مصانعها التي ورثتها عن والدها ...ليقضى بقية عمره يجلس كل يوم بالساعات امام منزلهما القديم يعيش على ذكرياتهما القديمة.
نماذج كثيرة لبشر قتلت فيهم الحرب كل حياة ... سلبت منهم أجمل وأغلى ما لديهم، تركتهم يواجهون الحياة بمفردهم.. هذا إذا اعتبرنا انهم لازالوا احياء
في نهاية الجزء الثاني يعود الأخ الغائب فيجد اخاه قد اختفى وترك البلد ولا أحد يعرف عنه شيئا يستلم من احد اصدقاء أخيه لوكاس تلك الدفاتر التي سجل عليها كل ذكرياته وما مربه منذ ذلك اليوم الذى افترقا فيه و هي نهاية غامضة عجيبة تمهيداً للجزء الاخير (الكذبة الثالثة)
رواية بديعة تتفاعل معها ومع كل مآسيها ...تُضاعف من كرهنا للحروب، حروب لا تكتفى بأعداد الضحايا والقتلى الذين تمتلئ بهم المقابر، بل تحول بعض الاحياء الى اموات يمشون على الارض لا روح فيهم.