كنت أعلم أنه يواري خلف قلمه الحاد القسمات هذا نفساً صوفية التأمل ..وروحاً تعظّم شعائر الله في تبتل مَهيب ليس فقط لأنها من تقوى القلوب.. بل لكونها بالأساس مفتاح لغز هذه المتاهة التي أشفقنا فيها على أنفسنا فاتفقنا على أن نسميها (الحياة) ..و لا تيه مادمت تقرأ رمز الله في عباداته فلكل فعل هاهنا معناه ..يقول علي شريعتي : (( الطواف: معاناة الوجود والاشفاق من الدار الآخرة ..السعي: لذة الحياة والمعاناة في هذا العالم.....الطواف هو السعي من أجل الظمأ ..السعي هو البحث من أجل الري ..الطواف: هو الإنسان العاشق للحقيقة ..السعي: هو الإنسان باذلا وسعه معتمدا على الحقائق ....الطواف: الله وحده ..السعي: الإنسان وحده..ستعلن التوحيد في الطواف وستخوض نضال هاجر في السعي وستعرض هبوط آدم عندما تنتقل من الكعبة إلى عرفة ..وفلسفة خلق الإنسان وتطور فكره من العلوم إلى الحب وسموق الروح من الطين إلى الله عندما تذهب من عرفة إلى منى ))...ثم فجأة بدا كمن ينادي في الجموع بالهتاف: اترك عزلتك ..اغترابك الحداثي....أنانيتك ..وانتماءاتك إلا للحق بجانب ثيابك المدنية التي تحللت منها لإحرامك وكن مع الناس وللناس..لا يكتب الله تيها أبدا لمن مشى في خير الناس...كان صوته ثائرا كحاشدي المظاهرات يقول : ((من أنت ؟؟ من أنا ؟؟ إن الفرد وحده لا يستطيع أن يقوم بشئ..القرآن الكريم يتحدث عن الناس لا عن الفرد ..(الناس)! يالها من كلمة جميلة تلك التي جاءت بالقرآن ..إنها دائما بصيغة الجمع .. لامفرد لها )) ...أتعلم رغم أني أجهل الكثيرعن الكثير في هذا الكون إلا أني شعرت حينها وكأن بحوزتي تحليل كل ما يجري على الأرض من ثورات ومظاهرات أو حتى اعتصامات ..هو فقط (احتياج الناس للناس) أنس القرب ودفء الاجتماع ووحدة الهتاف على أمر واحد بالنهار وإن توسدوا الرصيف ليلاً وراء الليل ..وأتدري شيئأ آخر؟؟ ..الله يحب صوت الهاتفين في الحشود! ..وله مظاهرة كل عام هي كما يقول علي شريعتي : ((مظاهرة رمزية لخلق آدم )) ..وهتافها كجوابٍ لنداءٍ بين العاشقين قريب : ((لبيك)).
يقول علي شريعتي في البداية معرفا بكتابه : ((هو ملخص تجربتي الشخصية وفهمي بعد أدائي للعمرة ثلاث مرات وأدائي للحج الأكبر مرة ..وهو لا يعدو أن يكون تعليقا وتفسيرا لشعائر الحج من عبدا خاضع لمولاه ..فهو ليس كتابا عن مناسك الحج على أساس شخصي فهذا لا يجوز شرعا فهو لا يتحدث في أبواب الفقه ولكنه أطروحة تدعوك للتفكير)) ثم يختم في الربع الأخير مؤكداً : ((هذا الكتاب هو نتاج قدرتي المحدودة على التحليل والتلخيص لعرض رمزي معجز حيث أن المهيمن على خشبة العرض هو المهيمن على الكون الكبير ..بوضوح : لقد حاولت أن أصب البحر في إناء !!))
يقول رحمه الله : ((اخلع ثيابك الآن عند الميقات وارتدي الكفن المؤلف من قماش أبيض خالص ..أصبحت ثيابك مثل ثياب أي فرد وبدا الجميع في الزي الموحد ..تحولت إلى جزئ ينضم إلى الكتلة العريضة وإلى قطرة تدخل في المحيط ..لا تكن مختالا فلست هنا لتلاقي ندا أو نظيرا بل تواضع وانكمش واخشع لأنك ستلقى الله ..كن الحي الذي يقترب من الموت أو الميت الذي يستشعر وجوده)).. .((.إنه استعراض بشري خاضع لله الواحد القهار ..الخوف والرجاء ..الرغبة والرهبة ..الدهشة والإقبال كلها تنصهر داخل جسيمات دقيقة مجذوبة داخل حقل ممغنط ))..((كل واحد يفني ذاته ويأخذ شكلا جديدا هو شكل الإنسان كما خلقه الله ..كل (أنا) تموت في أرض الميعاد لتنشأ (نحن) ))
ويصف الكعبة فيستغرق في بساطتها ويتجاهل الباب الذهبي الخالص وكساء الحرير ..لا يخلق أسطورة من لا شئ .ففي نفس الموقن ألف سبب للمهابة .....لكم أحب عقل هذا الرجل!! ..يقول : (( من حجارة خشنة سوداء تقف الكعبة في نسق غاية في البساطة ..اللون الأبيض يسد فرجات البناء والكعبة مكعب فارغ ولا شئ غير ذلك ..لا شئ مما ترى يجعلك تعجب أو تهتز ..هنا لا يقف أحد وليس هناك شئ تتأمله .لا ترى سوى غرفة مكعبة فارغة ..هل هذا كل ما هنالك ؟؟هل هذا مركز إيمانك وحبك وحياتك وموتك ؟؟ وتتوالى الوساوس في ذهنك : من أنا ؟؟ ماذا هنا ؟؟ إن الذي تراه هو النقيض لما في خيالك ؟؟ربما كنت تتصورها لوحة في فن المعمار مليئة بالزخارف وربما تخيلتها كأحد الأضرحة التي زرتها من قبل لأحد المشاهير ربما وربما ؟؟ و بدلا من كل هذه التخيلات تجد أمامك ساحة منبسطة وغرفة فارغة لا تعكس أي مهارة معمارية ولا جمال ولا فن ولا نقوش ولا جودة ...ثم إنه ليس هناك ضريح لأحد حتى تتوجه إليه بالنية أو بالذكريات أو بالشعور !! ستعلم أنه لا شئ هناك ولا أحد ..حتى لا يعكر عليك صفو اتصالك بالله تعالى ..إن الكعبة التي تريد التحليق فوقها وحولها لتتصل بالمنتهى والأبد والسرمد هي منتهى مشاعرك ومطلق غاياتك ..هذه أفاق لن تستطيع أن تبلغها في عالمك النسبي المزدحم ..قد تستطيع أن تفلسف الأمور ولكنك الآن لا تحتاج لذلك لأنك تستطيع أن ترى المطلق الواحد الذي لا يحده حد ولا يحصره تصور سبحانه : الله))
((إنك تبدأ الحج حينما تقرر أن تتحرك تجاه الأبدية ..إنها حركة أبدية نحو الله لا نحو الكعبة فالكعبة ما هي إلا بداية إنها المكان الذي يلتقي الله تعالى وإبراهيم الخليل ومحمد صلى الله عليه وسلم بالناس ..إن وجودك مرهون بتخلية قلبك من ذاتك وتجردك منها لذا عليك أن تذوب في محيط الناس ..إن الله جعلك من أهله ((الناس عيال الله)) وهو سبحانه القيوم عليهم أولى بهم من أنفسهم فالكعبة بيت الله وفي نفس الوقت بيت الناس ((إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين )) ..لن يتسنى لك أن تبدا رحلتك السرمدية داخل البيت الحرام حتى تتجرد من حصر اهتمامك في ذاتك))
((إن سبيل الله هو سبيل الناس بمعنى أنك لكي تقترب من الله عليك أولا أن تقترب من الناس ..والجماعية خارج الكعبة لا تعد وأن تكون مفهوما نظريا و(الإنسانية ) ليست إلا فكرة مجردة في الأذهان ..هؤلاء الذين يطوفون حول الكعبة يمثلون الإنسانية فهم وفد الحجيج من الناس ..وإن بقيت دائرا طوافا في فلك ذاتك فلست بحق جزءا من دائرة الطواف حول الكعبة ستكون مجرد زائر غريب على شاطئ نهر أبيض لا قطرة فيه ..إن الذين انفصلوا عن ذواتهم هم الأحياء أما الذين حبسوا أنفسهم داخل ذواتهم فهم ركود موتى ..إن الكعبة تعلمك كيف تثبت ذاتك وتعبر عن وجودك عن طريق الانطلاق من قيود ذاتيك ..لأن الواحد المفرد فانٍ في حين أنك كإنسان باق ..إن قطرة الماء إذا لم تكن جزءا من النهر أو لم تكن ذائبة في البحر فإنها تصبح كقطرة الندى تبقى ما بقي الليل فقط وتتلاشى مع أنفاس الصبح الأولى ))
بودي لو دونت كل خواطره عن المناسك كلها ..ولكن أهلك الله خوف الإطالة والملل ..لذا سأكتفي بهذه المقاطع والتي تبرهن كيف يقرر رجلا راقٍ مكانة المرأة في الإسلام ..بعيدا عن جدليات الهوة الجنسية القذرة التي سقط فيها رجالا كنت أحسبهم على شئ فلم يجدوا في المرأة إلا جسدا ..شيئا ... فيستر هذا ويظن نفسه شهما ملتزما ويعري الآخر ويصدق أنه حرا مثقفاً....فانظر كيف يقرر الفكر النظيف قدر المرأة ..يقول علي شريعتي رحمه الله متحدثا عن (حجر اسماعيل) : (( كانت هاجر من المسكنة والضعف بحيث لم تعترض سارة على تسري زوجها إبراهيم بها حتى تحمل وتلد ..إنها امرأة لم تكن لترقى لأن تكون زوجة ثانية لإبراهيم ..ومع ذلك فقد جعل الله تعالى الجدار الذي يرمز إلى حجرها موصولا بكعبته التي ترمز إليه سبحانه ..كان حجر هاجر هو المكان الذي ترعرع فيه إسماعيل ..بيت هاجر كان هناك وقبرها إلى العمود الثالث للكعبة ..يا للعجب !! إنه لا أحد مهما كان شأنه ولا حتى الأنبياء يجوز أن يدفنوا داخل المساجد لكن في حالتنا هذه نجد بيت الأمة السوداء شيد بجوار بيت الله !! إن شعائر الحج هي مذكرات هاجر وكلمة هجرة مشتقة من إسمها والمهاجر الأمثل من كانت قدوته (هاجر ) أو كما يقول الرسول (ص) : ((المهاجر من صار كهاجر)) ..إن الهجرة هي ما فعلته هاجر : أي الانتقال من الهمجية إلى الحضارة او من الكفر إلى الإسلام ...وأنت أيها المهاجر يا من حرر نفسه من كل شئ واستجاب لدعوة الله سوف تطوف بقبر هاجر وكعبة الله في ذات الوقت ..ما الذي قيل في الفقرات السابقة ؟؟ إنه صعب الإدراك ..خاصة على الذين يعتقدون أنهم يعيشون في الحرية ويدافعون عن الإنسانية ..إن جلال هذه الوقائع يتجاوز مدى فهمهم )) ...((وهنا في السعي ستلعب دور هاجر ..امرأة !! مسكينة ..مستضعفة وخادم ..هذه كل مؤهلاتها في النظام الاجتماعي البشري (نظام الشرك ) أما في نظام التوحيد ..مجتمع الاسلام هذه الخادم هي التي تدعو إلى الله تعالى وهي أم الأنبياء العظماء أولي العزم من الرسل ..إنها عند الله تمثل أجمل وأعز مخلوقاته إنها في هذا العرض (مناسك الحج) هي الشخصية الرئيسية ..إنها في هذا البيت هي المرأة الوحيدة (الأم ) ))
لآخر الليل هذا الكتاب ....في شربة واحدة تظنها هنيئة مريئة ولكنك ستظمأ بعدها أبداً ...ظمأ مسنّ يود لو يقايض فتات عمره الباقي ويحتضن الكعبة ملأ ذراعيه ويتوسد بخده الأيمن جدارها ويبكي .....أما الأعراض الجانبية فهي أعين منتفخة في النهار وقلب سعيد





