الشئ الآخر "من قتل ليلى الحايك؟"

تأليف (تأليف)
نشرت رواية "الشيء الآخر" للمرة الاولى في مجلة "الحوادث" الأسبوعية التي كانت تصدر في بيروت، على تسع حلقات متتالية ابتداءً من يوم الجمعة 25 حزيران 1966 تحت عنوان "من قتل ليلى الحايك". ولم يقم كنفاني بإعادة نشر الرواية في كتاب مستقل، ربما بسبب تغيّر الظروف السياسية بعد حرب حزيران 1967. ورواية "الشيء الآخر" هي نسيج قصصي لم نألفه في نتاج كنفاني السابق أو اللاحق. فهو يكتب عملاً بوليسياً أو شبه بوليسي، ويحيل الحبكة القصصية إلى لحظات من التوتر لمعرفة القاتل، ومعرفة الظروف المحيطة بالجريمة اsلتي أودت بليلى الحايك.
عن الطبعة
3.9 50 تقييم
315 مشاركة
تفاصيل احصائية
  • 12 مراجعة
  • 3 اقتباس
  • 50 تقييم
  • 115 قرؤوه
  • 71 سيقرؤونه
  • 51 يقرؤونه
  • 7 يتابعونه
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم

 
3

من قتل ليلى الحايك؟ أهي الصُدفة؟

لماذا صمت صالح؟ لإذعانه للقدر؟

من بطل القصة؟ ليلى؟ صالح؟ سعيد؟ العبث؟ العدمية؟

<مرحبًا بكم في رواية رمزية بامتياز بنكهة ألبرتو كامو.

تنويه... المراجعة طويلة، وهي متاحة بالصور والاقتباسات بشكل مُنسّق على موقع عالم موازٍ، وهذا رابط المُراجعة

https://www.3alammowazy.com/2020/06/blog-post_27.html

انتابني شعورًا قويًا وأنا أقرأ رواية الشيء الآخر- من قتل ليلى الحايك للكاتب الفلسطيني غسّان كنفاني؛ لأنني بشكل أو بآخر رأيت الأحداث بعيون بطل رواية الغريب لألبرتو كامو. وأنا هُنا لا أشير إلى وجود اقتباس أو سرقة أو شيء من هذا القبيل، أنا فقط أوضّح التأثّر، وللأمانة أن غسّان قدّم فكرته بشكل أفضل بكثير.

يقول ألبرتو كامو في روايته الشهيرة الغريب

"إن الانسان يجد متعة حينما يستمع إلى الناس وهم يتحدثون عنه، حتى إن كان يجلس على مقاعد المتهمين"

"ومهما يكن من أمرٍ، فنحن دائمًا مخطئون بعض الشيء."

"إننا دائما ما نكوّن صوراً مبالغاً فيها عما نجهله من اشياء"

من قرأ الرواية سيلاحظ أن أول اقتباس من الاقتباسات السابقة تصف حالتنا كقُرّاء أثناء قراءتنا لرواية من قتل ليلى الحايك. بينما الاقتباسين الآخرين هي حالة وصفية لأحداث الرواية!

يقول غسان كنفاني في روايته:

"من نحن أيها السادة ؟ ماذا نفعل ؟ ماذا نريد ؟ لماذا نحن ؟"

إنها نفس الأسئلة القديمة الذي لم يجد الفلاسفة لها إجابات شافية، وكأن إجاباتها تتحدى وجود الانسان ذاته، تُشعره بعجزه، وتُقزّم محاولاته الحثيثة لأخذ حجم أكبر من حجمه الحقيقي في هذه الدنيا. لكن البشر يستمرون في طرح الأسئلة في ثقة عجيبة بأن الجواب سيأتي على أيدي بني آدم في يوم ما. وحدهم الحُكماء هم من أدركوا أن التسليم هو مآل الجميع شاءوا أم أبوا!

يعترف الكاتب في صفحته الأولى من الرواية:

"كانت القضية كلها، قبل أن يكتشفها القضاء، وبعد أن أصدر حكمه فيها، فوق قدراتنا جميعًا ووراء منطقنا، ولذلك ارتضيت كل دقائقها صامتًا كما تعلمون."

في الصفحة الثالثة يعلنها الكاتب مُصارحًا القارئ:

"ببساطة... شيء آخر قتل ليلى الحايك، شيء لم يعرفه القانون ولا يريد أن يعرفه. شيء موجود فينا، فيكِ أنتِ، فيّ أنا، في زوجها، وفي كل شيء أحاط بنا جميعًا منذ مولدنا... لقد صمتُ حين اكتشفت الحقيقة فجأة ووجدت نفسي في الفخ، ولذلك قررت أن أصمت، وأن أترك كل شيء يأخذ مجراه الذي سار فيه دون إرادتنا وسيظل يسير فيه بصرف النظر عن إرادتنا!"

يخبرنا صالح بقناعته التي خلص إليها بعد تفكير عميق قضاه في البحث والتحليل، ويطلب من ضمائرنا أن تستمع وتفهم وتعقل، قبل أن تصدر حكمها النهائي عليه. فتُرى هل تستطيع ضمائرنا الحكم على صالح؟

إن السؤال البديهي هو "ما هي الجريمة التي سنبتّ فيها؟" لهذا فقد استبقنا الكاتب بقوله:

"إن الجريمة بالنسبة للقضاء هي قصة مُسطّحة، فيما هي في الحقيقة قصة ذات ثلاثة أبعاد، مثل كل شيء في هذه الحياة. إنها مجرد حلقة واحدة من قصة لا يمكن تمزيقها."

نتورط في رمزيات غسّان كنفاني الذي يسحبنا بدهاء إلى مستنقع من الرمال المُتحرّكة نغرق فيه مع كل محاولة للإجابة عن فك هذه الرمزيات، تلسعنا كلماته العارية عندما نراجع عشرات المواقف التي مررنا بها سابقًا، ونكتشف أن ذاك الصواب الذي قررناه حينذاك لم يعد بذات البياض الناصع الذي ظنناه، وأن المنطقي والواقعي ليس دليلًا على أنه الحقيقة!

إن العدالة صفة إلهية، أما على الأرض فالعدالة مفهوم وهمي لأنها تُنفذّ على يد الانسان، على يد من لا يعرف الحقيقة الكاملة مهما اعتقد هو ذلك.

"هل ترغب أن تقول الحق، كل الحق ولا شيء غير الحق؟

وأجبت -في أعماقي- من الذي يعرف الحق كل الحق ولا شيء غير الحق؟ أنا نفسي لا أعرف حتى حصتي من الحق، فكيف أستطيع أن أعرفه كله"

"فما هي الحقيقة أيها السادة؟ هل هي مجموعة براهين؟ هل هي مسألة حسابية؟ إن القانون لا يعترف بالنيّة، إلا حين يفترضها هو، وهو لا يفترضها إلا على ضوء سلسلة من البراهين، ولكن إلى أي حد توجد علاقة بين البراهين والنيّة؟ بل إلى أي حد تكون البراهين حقيقية؟"

"إن القانون لا يقبل أن يقوم رجل غاضب بارتكاب جريمة، ولكنه كي يعاقبه: يقتله، وكأنه هو ذاته هذا القانون رجل غاضب!"

إن المسألة كلها هي مباراة في البراعة، وأن براءتي تتوقف على أن يكون محاميّ أبرع من الاتهام بغض النظر عن الحقيقة؟"

"ما هو الواقع أيها السادة؟ إنه -في اعتباركم- المعقول والمنطقي، ولكن كم من الأحداث الواقعية بين معقول ومنطقي؟ وما هي العلاقة بين الواقع والمعقول؟ هل الحرب مثلًا واقعية أم معقولة؟... أترون؛ إننا نلعب على بعضنا، إننا نزوّر العالم كي نفهمه. يا للتعاسة."

صراع الكاتب غسّان كنفاني يتضّح في هذه الرواية بشكل عجيب، يصرخ -ويا للغرابة- في كل الرمزية التي تقطر من الرواية. رأيت في الرواية روح غسّان المُعذّبة التي تسرّبت إلى كلماته في محاولة للخلاص، تُرى هل كان يسكب آلامه فقط؟ أم أنها كان يحاول أن يُبرر لنفسه بعض من أخطائه؟ أم أنه كان يواسي نفسه لشعور مُفاجئ بالضعف أمام قوة مجهولة شعر أمامها بالعجز، هذا ما شعرت به في قوله في الرواية:

"إنني لا أدّعي الشجاعة، ولكنني أعترف بالعجز."

الصُدفة...

في رأيي... ليست هناك مصادفات في الحياة... القدر لوحة متكاملة التفاصيل لدرجة تعجز فيه عقولنا عن إدراكها. أتذكر اقتباس الكاتب البرتغالي أفونسو كروش في روايته دمية كوكوتشا

"ستواجهها بعض مصاعب في هضم كثير من المصادفات، لكن الحياة عبارة عن عقدة متشابكة من الخيوط أغلبُها غير مريّئ، لذلك لا نقدر أن نعرف كيف تشابك بعضها مع بعض. لكنّ كلّ شيء ملموس، فالأحداث كُلّها يرتبط بعضها ببعض بهذه الخطوط. وعندما أروي هذه الحكاية فإن ما أفعله هو أنّي أُبرز ما أراه واضحًا وأعتبره ذا صلة بالموضوع. أترك الكثير من الأشياء الأخرى التي لا أعتبرها مهمة والكثير من الأشياء الأخرى التي لا صلة لها بالموضوع وغير المرئية بالنسبة لي. لهذا السبب تُشبه هذه القصص، قصص الحياة، معجزات القدر الكبيرة، لأننا نُنقّيها من كل ما هو غير مهم ولا يضيف لنا شيئًا، إننا نبرز ما هو جوهري ليس أكثر."

صدفة لقاء غادة السمّان حاضرة بكل قوة في كل محاولة للتفكير. إن محاولة التبرير لحبّ موازٍ يعيد إليه ما افتقده من بريق كي يعود وهج حبه الأول، ليس إلا محاكاة لم مرّ به غسّان كنفاني في حياته. عذابه المستمر بين تجاهل غادة وبين عجزه التام في التخلص من حبها؛ كَسَره، حَطّمه وبكل وضوح، وهو الذي عبّر عن ذلك في كتاب "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان"

غادة.. يقولونَ إنّ علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وإنّني ساقطٌ في الخيبة، قيلَ إنّني سأتعبُ ذاتَ يوم من لعقِ حذائك البعيد.. يُقال إنّك لا تكترثينَ بي، وإنّكِ حاولتِ أن تتخلّصي منّي، ولكنّني كنتُ مِلْحاحاً كالعَلَق.. يشفقونَ عليّ أمامي، ويسخرونَ منّي ورائي، ويقرأونَ لي كما يقرأونَ نماذجَ للشاعر المجنون.

"كُفي عن تعذيبي فلا أنا ولا أنتِ نستحق أن نُسحق على هذه الصورة ، أما أنا فقد أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا أقبل الهروب بعد ، سأظل ولو وُضع أطلس الكون على كتفيّ وراءكِ ومعكِ .. أعطيكِ العالم لو أعطيتني منه قبولكِ بي ، فأنا أيتها الشقية أعرف أنني أحبك وأعرف أنني إذا فقدتك فقد فقدت أثمن ما لديّ ، وإلى الأبد."

"أنتِ في جلدي وأحسُّك مثلما أحسُّ فلسطين، ضياعهما كارثة بلا أي بديل!"

ما يجعلني أرجّح هذه الافتراضية هو عدم نشر غسّان كنفاني هذه الرواية إطلاقًا رغم مرور ستة سنوات عليها حتى يوم وفاته. لم يُفكّر أبدًا في نشرها واكتفى بها حبيسة في صفحات الحوادث بعيدة عن الأعين، وكأنها كانت نزوة كتابية مارس فيها طقوس نزوته على الأوراق المجهولة نسبيًا مقارنة بالكتب المنشورة الأدبية الأخرى له، وكأنه اعتراف ضمني بإنكاره وحرجه منها وكأنه وصمة لا يريد التحدث عنها

إن الشيء الآخر الذي أوقع بصالح في الرواية هو نفس الشيء الذي أوقع بغسّان كنفاني في الحقيقة، إنه القدر. لقد ماتت ليلى الحايك لكنها ظلت في خيال صالح، أحاول غسّان قتل غادة في عقله؟ من الممكن أن نستنبط ذلك رغم أننا لا نستطيع الجزم بذلك، لكن التاريخ يخدعنا بأن غسّان مات أول مرة عندما اغتاله الموساد الإسرائيلي، فقد قتلت غادة قلب غسّان من قبلها، وإن كان قد قُدّر له العيش لاحقًا لكان مات مرة ثالثة عندما نشرت هي رسائله إليها في كتابها الشهير.

هي مجرد محاولة للفهم، لكن الحقيقة فهي كما قال غسّان... من يعرف الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق؟!

تصنيف قتل الرواية

صنّف الناشر الرواية أنها رواية بوليسية، وللأسف الشديد فبسبب محدودية التصنيفات في أدبنا العربي فقد استقبلها القراء كونها عملًا بوليسيًا تقليديًا في أدب الجريمة على غرار روايات أجاثا كريستي على سبيل المثال، مما سبّب إحباطًا لدى القارئ الذي شعر أنه تعرّض لخدعة تسويقية. وأعتقد أن الناشر صنّفها بهذا التصنيف كون الرواية نُشرت في عام 1966 كتسع حلقات متتالية في مجلة "الحوادث" الأسبوعية والتي كانت تُنشر في بيروت، ولم يقم غسّان بنشرها كرواية بشكل مستقل حتى تاريخ وفاته عام 1972.

وأرى أن الرواية كانت أقرب لتصنيف أدب المحاكم أو أدب الدراما القانونية، والتي يشتهر بها الكاتب الروائي الشهير جون جريشام.

هويّة القاتل...

من سيغرق في بحر التساؤلات الرمزية التي صعقنا بها غسّان كنفاني في الرواية، لن يُفكّر في هويّة القاتل، فأنت يُمكنك أن تُشارك المحامين والقاضي في غزل نسيج مُحكم من براهينك الخاصة، كما يمكنك أن تختار خلال رحلة القراءة المتهم المُفضّل لك. والعجيب بالفعل أنك تكتشف أن رغم وجود البراهين والحقائق ووضوحها، إلا أنها تصير مموهة بشكل مرعب حسب هويّة المتهم الذي تختاره والسيناريو الذي تضعه بنفسك. عندها فقط قد تدرك لماذا صمت صالح!

رواية الشيء الآخر – من قتل ليلى الحايك، رواية رمزية جدًا تدور أحداثها في قاعة المحكمة. رواية بلُغة ساحرة مثلما عودّنا غسان كنفاني، لكنها لاذعة جدًا صادمة جدًا مُزعجة جدًا، إلا على من لم يقترفوا خطايا في حياتهم!

تقييمي النهائي

3 من 5

أحمد فؤاد

27 حزيران يونيو 2020

0 يوافقون
اضف تعليق
5

الروائي غسان كنفاني وروايته البوليسيّة المُمتعة ، الذي ترك لنا حريّة التخيّل وربط الأمور وترتيب الأحداث من وحي خيالنا لنصل إلى الشيء الآخر "من قتل ليلى الحايك" .

رواية جداً ممتعة ونهايتها المفتوحة جعلتني أفكّر لعدّة أعوام من بعد قرائتها ما هو الشيء الآخر ؟ وما هذه الصدفة التي أوقعت بالقبض على مظلوم بأدلّة حيوية ؟ ولم أتوصّل لنتيجة واحدة أو سبب واحد فقد تعددت الأسباب ووجهات النظر وزوايا التفكير والتعمّق ..

0 يوافقون
اضف تعليق
4

من إحدى غرائب الكنفاني أن النهايات تبكيك ولا تروق لك ولكن في النهاية تشعر أنها النهاية الأمثل والأجدر التي ينبغي أن تكون عليه الرواية ، وتكمن العبقرية في هذه الرواية تحديدآ أن الأمور نفسها تم التعاطي معها لأمرين مختلفين الأولى للإدانة والثانية للبراءة ، والصمت لا غير الصمت كان سيد الموقف والأفكار والإعدام ، الصمت حينما يفقد الكلام قيمته أو غير من الواقع أي شيء

4 يوافقون
اضف تعليق
5

إستطاع الهروب من الجريمة الأولى أمام المحكمة المصغرة، رغم ارتكابه الجريمة. لكنه لم يستطع الهروب من المحكمة الكبرى، رغم عدم إرتكابه الجريمة.

وضعنا كنفاني أمام أسئلة فلسفية تحتاج إلى دخولنا زنزانة مماثلة لزنزانة صالح حتي نستطيع الإجابة عليها....ما هي الجريمة، العدالة والسلوك الذاتي، ما هو الواقع والمعقول ؟

2 يوافقون
اضف تعليق
3

بصراحة لا أعرف ما هو رأي في هذه الرواية، ولكن يبدو لي كما لو أن كنفاني اختيار بداية سرد متأخرة على القصة، كما لو كنا نقرأ ما حصل بعد حكاية مثيرة

0 يوافقون
اضف تعليق
 
 
 
 
المؤلف
اقرأ المزيد عن المؤلفين