"احتواء الفوضى.. صداقة الفن متعة لا تنتظر فرحة النجاح"
خيال الفن على أرض الواقع له عواقب يصعب التنبؤ بها، كل مبدع يعاني بقدر ما يستمتع بسعيه، الفنان في حالة دوام مع انعدام الضمانات، والرهان على الأذواق، وتأمل حياة أي مبدع تصنع فنًا جديدًا ملهمًا.
المبدع الذي نتعرف عليه في هذا النص هو "أحمد حنيش"، قرر أن يكتب كفاحه مع شغف المسرح، ونعيش معه نجاحه وإخفاقه.
استطاع الروائي أن يقدّم تجربة أدبية ممتعة، كتبها بلسان الراوي، بسرد له هوية واضحة مميزة، قادر على الوصول إلى أعماق القارئ.
أما عن لغة العمل فكانت فنًا مستقلًا داخل النص، لا أعتقد بوجود لغة أفضل أو أنسب أو أجمل من لغة الرواية؛ صادقة، معبّرة، متّسقة تمامًا مع شخصية مخرج مسرحي عاشق للفن، بديعة في اختيارات أمثلة المسرحيات والأفلام، مبتكرة في تشبيهاتها، حتى تمردها على صحيح اللغة جاء ملفتًا وجميلًا كجملة "نزلت إلى الزمالك ومشيت فيها زملك زملك"، لغة أبقت النص حيًا وهّاجًا طوال صفحاته.
النص حالة "ميتافكشن" جميلة، يحدثنا "أحمد حنيش" ويروي لنا، هذا التفاعل باستخدام ضمير المُخاطب جاء في محله تمامًا؛ فالراوي يكتب مذكّراته، كما أن من يقف على خشبة المسرح أو وراء كواليسه يحب أن يحدّث جمهوره، ويشاركهم بتلقائية المبدع الجذّابة.
شخصيات العمل تشعر أنهم أصدقاء، ربما من إحساس داخلي نابع من الراوي الفنان، أحب الشخصيات لقلبي "عم حسين"، ملقّن المسرح، المعلّم، الرفيق، القادر على الوصول إلى وجدان القارئ.
تتابع الأحداث في الرواية، يختلف المكان، ويحدث تنقلّ زمني، وربما هذا التنقّل جاء بصورة مشتتّة أخلّت بالبناء خاصةً في النصف الثاني من الرواية، وقللت من تأثير الحكاية وترابطها.
النص له روح خفيفة الظل، كتابة بروح أفلام "شابلن"، تبتسم من جمال التشبيهات، وأحيانًا تضحك من إبداع النكات، في الرواية فصل بالكامل تقريبًا كُتب كحوار مسرحي، وأعتبره من أقوى وأمتع الفصول، وأبدع الروائي في كتابته، تعجبت كيف انتقل من قالب وخيال النص الروائي إلى النص المسرحي بهذه الاحترافية، نتأثر بالحكاية المكتوبة، ونسمع معه صوت ضحك الجمهور.
عمل روائي ممتع، أتطلع لقراءة الجزء التالي بعد "فرقة الديلارتجية"، كيف سيتعامل الروائي مع باقي محطّات "أحمد حنيش" ، هل ينتصر للفن أم يخضع لعوامل أخرى؟ لكن المؤكد أن هذا النص الروائي ينتصر لقيمة وجمال الفن، ويخلق مساحة حية من الإبداع.
