أدخلنا الكاتب المبدع "مجدي نصار" إلى حديقة أدبية بديعة، بها ست زهرات مُتَمرِّدات، حُسنهن ساحر، ألوانهن جذَّابة، عَبيرهن فاتن، ينطلق ويتمازج، يصنع عبقًا فريدًا، ست قصص متمردة، تخلق حالة أدبية مدهشة، تسحر القارئ وتستولي عليه، تلك هي مجموعته الجديدة "نظرية حسن مرعينيو".
على الرغم من روح العبث والفانتازيا التي تسيطر على أجواء القصص، فقد تنوعت مَشارِبِها، ومَنابِعِها ومَصبَّاتِها، لم تشبه واحدة الأخرى، تنوعت حتى في صوت الراوي ووعيه.
أودع مجدي نصار سحرًا عجيبًا في هذه القصص، عندما التقط شخصيات وأحداث حقيقية من الحياة، وكتبها في قصصه، وجدناها تفيض بالعبث، على الرغم من أن الشخصيات هي نفسها شخصيات الواقع، والأحداث هي نفسها أحداث الواقع، نعيد النظر، نكتشف أن ذلك العبث هو بالفعل موجود لكننا لم نكن نراه، ربما اعتدنا على وجوده فلم نلحظه، لقد جعلتنا هذه القصص نرى كل شيء بعيون جديدة،
سنمر على كل قصة بانطباعات سريعة بقدر المساحة الممكنة هنا:
1️⃣ حارة الحارة
في قصة القصة.. أقصد "حارة الحارة"، يخلق الكاتب حالة عبثية حادة، عندما كان الراوي يجوب بين الشخصيات ذوات الأسماء المكررة المردودة، نعيمة نعيم وفهيمة فهيم وشديد الشديد وأشرف الشريف وحتى مارك ماركوس مكاريوس وغيرهم، ليس هناك شيء جديد، لم يقل أن اسمه أيضًا كان سمير السمير، الناس يدفعون بعضهم بعضًا، لا يملكون سوى أن يجادلوا ويشتموا الآخرين، وأن يصفعوا ويركلوا الهواء، وأن ينفعلوا ويذرفوا الدموع، في عالم الفيسبوك يحظرون الصفحات والتعليقات عندما تنتهك المعايير، ماذا سيحدث إذا طبقوا ذلك في العالم الحقيقي، بعد منع النطق والعنف والبكاء، بعد توقف الكلام والحركة والتعبير، بعد معاقبة الألسنة والأبدان والمشاعر، ماذا سوف يتبقى لهم سوى الانفجار.
2️⃣ عزبة مليكة
في "عزبة مليكة"، يخلق الكاتب حالة ديستوبية مربكة، عندما أخرج الأموات من قبورهم، وأطلقهم على الأحياء، يعودون إلى القرية، يشهدون ما آلت إليه حيوات أهلها، عمَّت الدهشة والريبة والهلع، وظهرت كل القصص المخفية، قصص الكره والحب، الخيانة والأمانة، الكذب والصدق، الغدر والشرف، الإثم والبراءة، شهدنا أسرارًا تَتَكشَّف، وجروحًا تَتَفَتَّح، وأفعالًا تَفتضِح، وحكاياتٍ تَكتمِل، ومشاعرَ تَعود، الليلة طالت، وتأخر الصبح كثيرًا عن موعده حتى أتت الزلزلة، هل كان الموتى يواسون الأحياء على أنهم ما زالوا على قيد الحياة، لكننا في النهاية لم نعد ندري، مَن كانوا الموتى ومَن كانوا الأحياء؟.
3️⃣ مركز حقوق الأشياء
في "مركز حقوق الأشياء"، يخلق الكاتب حالة فانتازِيَّة صاخبة، عندما يصحو البطل ذات صباح ليجد أن هناك أشياءً كثيرة اختفت من منزله سنعرف أين ذهبت، لاحظنا أن الناس من حوله تبدو كشخصيات كارتونية، لديه ألبوم صور وجريدة عمرها ثماني سنوات، ولديه قصة حزينة، وِحدَته أصابت الأشياء من حوله باكتئاب وضجر وملل وانهاك، هناك قرد مبتسم، ورجل ملثم يطارده في كوابيسه، انتبه إلى الدستور الجديد للجماد والنبات والحيوان، كلنا واحد صحيح، قمعوا رغباته وأملوا عليه رغبات أخرى لا يريدها، حتى صار الإنسان مجرد قطعة مكملة للصورة وليس أصلها، هل ما يحدث هو تأنسن للأشياء أم تشيؤ للإنسان.
4️⃣ ضحكة سيبو
في "ضحكة سيبو"، يخلق الكاتب حالة سخرية مريرة، عندما يفقد سِباعي يحيى بشير وهدان (سيبو) ضحكته، الوجه جامد مهما ضحك القلب، تتحول الحكاية إلى تريند في الفيسبوك والإعلام والشارع، جنون التريند يفيض على المدينة، الناس غارقون فيه، كل شيء زائف، عشرات التفاعلات. بل مئات وآلاف وحتى ملايين، لا بد من اعتصار التريند حتى آخر قطرة فيه، تتوالد تنويعات عديدة على التريند، ترتبك الحقائق بين القطعة الأثرية والجزمة الإيطالي، سيبو ومادا يصنعان سيناريو، المشاهد تتهاوى أمام أعينهما، نعرف حكاية البنت وأخيها، يختلط السيناريو بالواقع، يتحول الترند إلى كابوس، هو الحياة ذاتها.
5️⃣ نظرية حسن مرعينيو
في "نظرية حسن مرعينيو"، يخلق الكاتب حالة برناسية ممتعة، قصة مهيكلة ببراعة، سيولة زمنية مريبة، دوائر درامية متحركة، كان حسن يحمل كل أسئلة الأرض والسماء، ❞الأسئلة كلاب شرسة تتعارك في رأسه طوال الوقت❝، الأسرار مفضوحة، كما في الأسطورة التي حكتها سناء العسَّال لحسن مرعي، تمضي الأحداث مع حسن وسناء وكمال وشيرين ويحيى، ماذا كانت النظرية، في الزبالة تتكشف كل الأسرار، سيقوم يحيى وحسن بثلاث مهمات بسيطة، رصدا الأسد والنمر والقط، فكان الحل في الدواء والبيتزا والشاي، على كل واحد أن يتابع حياته بعد ذلك، عليه أن يختار بين المسارات، وعلى القارئ أن يرتب القطع السردية المتناثرة.
6️⃣ برتقالة وشوكة وسكين
في "برتقالة وشوكة وسكين"، يخلق الكاتب حالة أنطولوچية ميتاسردية بديعة، عندما يقوم بطلها بتأليف قصة، ربما هي قصة خلق بديلة، قصة حسن وسعاد، كانت في البداية بلا حبكة أو عنوان، مجرد فكرة وبطلين باهتين، تمثالين لرجل وامرأة، أراد له أن يأكل البرتقالة (لا التفاحة) دون تأنيب، يبدأ بتحديد ملامحهما وشخصياتهما وأحداث قصتهما، ويأتي أيضًا بالشخصيات الثانوية، يعترضان على الأحداث، ❞الحبكة أقل إثارة من الفكرة❝، بعدها نجد شخصيات الرواية تمارس حياتها بينما يصبح المؤلف غير مرئي، ما زالوا يتبعون الحبكة:
❞يلتزم بالحبكة كأنها شريعة❝
❞ينفذان حبكتي رغم غيابي، لا يريانني لكنهما يحفظان هيبتي❝
حاول أن يجد لهما عذر:
❞لكنك لم تخن الحبكة؛ العقد، العهد الذي بين الكاتب وشخصياته❝
عندما بدأ حسن وسعاد في تغيير الأحداث وإضافة التفاصيل، حاول المؤلف أن يرضى بحرية إرادتهما واختياراتهما:
❞لا أحد يعرف ما بينهما إلا كاتب غير مرئي، ربما أخرجهما من رأسه، غفر هروبهما من سيطرته، وسامح نسيانهما للعهد❝
كانت الحبكة مكتوبة في نسختين بورقتين مع البطلين، بعض الشخصيات الثانوية حصلت على الورقتين، اضطربت الأحداث وخرج الجميع من مساراتهم، وفي النهاية أفسدوا القصة برمتها، ولم نعلم أي العالمين كان الوهم في القصة وأيهما كان الحقيقة، عالم الشخصيات أم عالم المؤلف.
هكذا جاءت قصص المجموعة، فيها العبثية الجامحة "حارة الحارة"، والديستوبيا المربكة "عزبة مليكة"، والفانتازيا الصارخة "مركز حقوق الأشياء"، السخرية المرة "ضحكة سيبو"، والبرناسية المتسائلة "نظرية حسن مرعينيو"، والفلسفية المتأملة "برتقالة وشوكة وسكين"، وفي الحقيقة فإن كل قصة تحتاج إلى مقال مستقل.
كانت رحلة فاتنة للعقل والوجدان، مفعمة بحلاوة الأدب والفن، ومتعة الفكر والفلسفة، قصص من طراز فريد نادر، كان السرد يزهو ويختال عن حق، وكنا طوال الوقت مستمتعين بالحيرة والدهشة والتأمل والسحر.


