يقدم الروائي والقاص المصري "محمد الفخراني" مفهومًا مغايرًا لفن القصة القصيرة؛ يبتعد عن البنية المعتادة للقصة القصيرة من حيث الحكاية الواحدة والحدث المتطور، ويقدم قصة تتكون من مشاهد متفرقة لتفاصيل يومية عادية وكأنها مجموعة من "البِكسْلات" تتجمع لتكون صورة واحدة، كعادة الحياة اليومية، فلا توجد في الحياة لحظة فيها حكاية واحدة أو حدث واحد، فكل لحظة فيها عشرات أو ربما مئات أو آلاف الأحداث في نفس المكان.
• «لتكن حفلة»
القصص هنا هي احتفاء باللحظة أو كل قصة هي لحظة في حفلة، أو ربما حفلة في لحظة، لذلك يستهل "الفخراني" مجموعته بجملة: "لتكن حفلة"، وكل ما في هذه المجموعة معد بدقة لتحقيق هذه الجملة. ربما بغير عمد، وأظن أنه بوعي من الكاتب. فمثلًا في القصة الأولى: "أغنية التسكع"، يظهر "التسكع" ليس كفعل فقط، لكن كفلسفة للحياة، فلسفة استكشاف للواقع وتأمل في تفاصيله الدقيقة والمتناقضة، وطريقة للبحث عن المعنى والجمال في البشري وغير البشري، حفلة للإنس والشياطين، وكل هذا يحدث وكأنه في لحظة واحدة، ورأيت هذا في استخدامه للفعل المضارع مع "واو العطف" في بداية كل حدث، مثل: "وتطير ورقة في الهواء، وطفلة تضع قطعة بسكويت في فمها، وتتلامَس يدي مع يدٍ تمُرّ بجواري، وأسمع أربع جمل بأربع لغات مختلفة، وثلاث ضحكات معًا، وشتيمة ليست مُوجَّهة لأحد، ولمحة من أغنية، وأشمّ رائحة عصير جوافة، وخبز طازج، وتمشي معي قطة عدّة خطوات وتتوقف، ويظهر متشرِّد من اللا شيء أو من كل شيء،...".
يبدو السرد هنا في هذه القصة وكأن كل الأحداث تحصل في نفس اللحظة، ربما لهذا تتكون القصة من ثلاث فقرات، فقرتان قصيرتان في البداية يهيئا القارئ للتسكع القادم، وبدءًا من اللحظة التي يبدأ فيها التسكع، يكون كل المسرود في فقرة واحدة كُتبت في عشر صفحات.
ومع الوصول إلى نهاية هذه القصة يقول المتسكع: " وأراني داخل كل ما هو حولي وخارِجه في الوقت نفسه، ولا أريد الخروج من هذا العالم، لا أريد الخروج من اللحظة، رغم أني أيضًا خارِجها،...". بعدها تكتشف أنه وضعك في لحظته، وسحب رجليك للتسكع معه في هذه الحفلة. وأحب أن أشير إلى الدقة في بداية المجموعة بهذه القصة، لأنها تهيئة ناعمة وسهلة لعالم هذه المجموعة. فبعدها ستتلبسك الشياطين وتجد نفسك أصبحت في قلب عالم المجموعة الذي هو "حفلة الإنس والشياطين".
• «مزج الواقعي بالغرائبي»
استطاع "الفخراني" بفنية دقيقة محو الحدود بين الإنس والشياطين، فلم يكتف بسرد "اللحظة" في عالم الإنس، بل إنه أدخل الشياطين اللذين هم بكل تأكيد يشاركونا –نحن الإنس- في كل لحظة، فتظهر الشياطين في القصص كشخصيات عادية، ليست بالصورة المتخيلة عنهم، هنا الشياطين شخصيات لها مشاعر وأفكارًا وأمنيات وتأملات وسلوكيات إنسانية، وفي الوقت نفسه يمارس البشر أفعالًا "شيطانية"، الشياطين والإنس هنا يعيشون معا التفاصيل اليومية، كما في قصة "في بيت سلوى لطيف" التي يذهب فيها متجول إنسي إلى بيت شيطان ويقضي اليوم مع أسرته، بعدما تقابلا معًا أمام فاترينة مكتبة في وسط البلد، هكذا بطريقة عادية جدًا، نشم رائحة هذه العادية في جملة سارد القصة وهو يقول: "أنا إنسي وهو شيطان."، وكأن العادي في هذا العالم أن الشياطين والإنس حياتهم واحدة، وكل منهم اعتاد وجود الآخر في حياته. وفي اعتقادي أن هذا المزج هو بمثابة محاولة لاستكشاف طبيعة الإنسان بعمق، وتأمل في الجوانب المتناقضة في شخصيته وفي علاقته بالعالم. ولذلك نجد كثيرًا كلام عن أول من فعل أو اخترع كلمة أو جملة أو شيء أو سؤال.. الإنس أم الشياطين؟ فمثلًا في قصة " اللعب مستمر" يقول: (...والإنس اخترعوا ألعابًا هي بالأساس للقتل، أو تؤدي إليه، وأحيانًا يُسَمّون القتل لعبًا،...)، وفي قصة "بالمناسبة ما الذي تتكلفه حفلة"، تقول البطلة الشيطانة: (...ويا للعجب اللّعين، يعترف الإنس فعلًا بأنها أول مَن نسَّق باقة ورد، وهم نادرًا ما يُقرّون بأنّ غيرهم سبقهم إلى أيّ شيء.)، وأمثلة كثيرة، توضح الاستكشاف والتأمل العميق في ما هو إنساني وما قد يكون غير ذلك.
• «التجريب في الشكل القصصي»
يكمن التجريب حسب رؤيتي في النقطتين التاليتين:
1- السرد المتسكع.
يبدو في القصص تعمد واضح وواعٍ لكسر البنية السردية القصصية المعتادة، فيعتمد السرد في أغلب القصص بشكل كبير على تدفق أفكار السارد وتأملاته الداخلية بأسلوب يركّز على لقطات متفرقة من الحياة اليومية، تتحرك بين الواقعي والغرائبي، وكأنه يتسكع في الشوارع ويراقب التفاصيل العابرة، وينتقل من فكرة إلى أخرى ومن حدث إلى آخر، ومن ما هو واقعي إلى ما هو غرائبي، دون تقيد بترابط منطقي، والمفارقة أن في الوقت نفسه يجمعهم ترابط شديد، والرابط هي اللحظة الواحدة أو الحالة المشتركة. بالإضافة لاستخدام الكاتب جملًا قصيرة ومتتابعة. الأمر يشبه حفلة سردية ساهمت في خلق الإحساس بالتجول وعكس حالة التسكع والتعبير عن طبيعته كحركة حرة غير مقيدة. وهكذا كان السرد حرًا غير مقيد. سرد متسكع، أو سرد شيطاني.
2- الحالة لا الحبكة.
في مجموعة "حفلة الإنس والشياطين"، نجد أن أغلب القصص تخلو من الحبكة المعتادة، المعروف لها بداية ووسط ونهاية، لكن تعتمد القصص على "الحالة"، فكل قصة تتبنى حالة معينة تسعى وتطوع كل عناصرها في سرد هذه الحالة وبناء حالة متماسكة بدلًا من حبكة متماسكة، وتتجمع العشر حالات في النهاية لتكوين حالة كبرى هي الحفلة.. كما أخبرنا قبل البداية: "لتكن حفلة". هذا التكنيك قدّم لنا تعريفًا جديدًا أيضًا لمفهوم "البطل" في القصة، فاعتدنا قصصًا بطلها شخص أو حدث، لكن هنا يقدم "الفخراني" بطلًا جديدًا هو "حالة"، حالة فلسفية لسارد متجول في الشوارع، يتسكع فيها ليتأمل العالم ويحتفل بمفرداته.
القصة الوحيدة التي ارى أنها خالفت غيرها من القصص -في اعتقادي- هي قصة "في بيت سلوى لطيف". ولم تختلف عنهم من حيث العالم، العالم واحد في كل القصص، لكن أقصد من حيث الشكل؛ السرد فيها خطي، وللقصة حدث متحرك يتطور باستمرار السرد، وفيها شعور بهدوء لا يناسب الـ "لتكن حفلة".
«حفلة الإنس والشياطين» مجموعة قصصية تحتفي باللحظة الحاضرة، وتتأمل الإنسان وعلاقته بالعالم الذي هو فيه ومفرداته، وتدعو لحب كل ما في العالم، وفي ظني هذا ما يطمح "الفخراني" أن يعبر عنه بالفن، فكما أظهر في روايته الأخيرة "حدث في شارعي المفضل" أهمية الأشياء التي اعتدنا وجودها بكل سهولة، وبعدما بدأت بطلة الرواية ترى.. وترى.. وترى.. يقدم الفخراني هذه المجموعة، ليعرض لنا لحظات من الاحتفاء والتأمل، بطريقة غير اعتيادية، متجاوزًا الحدود التقليدية للزمان والمكان والعلاقات الإنسانية، وماحيًا المسافة بين الواقعي والغرائبي أو ما يبدو غرائبي.


