ظلّ الرحيل – منار الأزهري
تُعدّ هذه الرواية ثاني قراءاتي للكاتبة الموهوبة والمبدعة منار الأزهري، والتي حمّستني بشدّة فور صدورها على تطبيق «أبجد». وليست هذه المرّة الأولى التي أقرأ لها؛ فقد سبق أن قرأت إحدى رواياتها منذ فترة طويلة، وكانت بحق تستحقّ القراءة والكتابة عن الرأي، وهو ما يتكرّر اليوم مع روايتها الجديدة.
البطل هيثم يعاني جروحًا وندوبًا لا تشفى مهما مرّ الزمن، نتيجة الإهمال الأسري والحرمان من المشاعر والأحاسيس، التي لا تلبث أن تنكسر تمامًا مع رحيل الأم. فيظلّ تائهًا، باحثًا عن إجابات لأسئلة الماضي من منظور الطفل الذي كانه، رافضًا التقبّل والاستسلام للمصير.
بريهان، لا تمتلك سوى حلمٍ واحد: أن تصبح أمًّا. وبعد صراعٍ نفسي طويل، وألمٍ متراكم، وشعورٍ بالغضب إثر رفض زوجها لحلمها الوحيد الذي لم يفهمه، تتجلّى غريزة الأمومة التي ترافق النساء جميعًا، وتدفعها إلى مواجهة ذاتها وواقعها.
وحين وجدتُ اسمي بالصدفة داخل الرواية، عجزت عن وصف شعوري بكلّ صدق. أشكر الكاتبة من القلب على اختيارها لهذا الاسم، وكأنها كانت تكتب عن قصتي أنا. شعرتُ بأنّ الصور تتكامل، وأنّ الأجزاء المتناثرة داخل الروح تلتئم، فنكمل مع النص رحلة ترميم الجروح والآلام والندوب التي، مهما اختلفت أسبابها، تحتاج إلى التسامح لا الهروب من الماضي.
تروي يمنى ذكرياتها مع العم محمد البلتاجي، والد هيثم، وحياتها في مدينة المنصورة التي تفتقد أجواءها المليئة بالبهجة والسرور والعائلة، قبل أن تزور طبيبة نفسية بمساعدة هيثم، الذي شهد تحوّلًا عميقًا في شخصيته ووقوفها في الاوقات الصعبة حين شاركا ف نقطة واحدة وهو عدم الإنجاب
شعرتُ بالألم والصدمة في مشهد لم أتخيّله أبدًا، حين يقتل الابن أباه في حادث غير مقنع، تشكّلت أحداثه بطريقة غريبة يصعب تصديقها، وبقسوة بشعة عند باب البيت. ما زاد دهشتي أنّ الابن لم يُظهر ندمًا أو ألمًا أو صدمة، بل تعامل مع الموقف ببرودٍ خالٍ من المشاعر، وهو ما بدا غير منطقي على الإطلاق في هذا السياق الإنساني المؤلم. ولكن مع صدمة كبيرة أنسته بل حاول ان يجد الاسئلة التي شعر الندم عند فوات الاوان
ما يميّز هذه الرواية حقًا هو تقاسم السرد بين فصول متعددة، ومن وجهات نظر مختلفة: محمد البلتاجي، والد هيثم، ويمنى ابنة صديقه، وهيثم نفسه، وأمه التي رحلت وتركته طفلًا. هذا التعدّد منح الرواية عمقًا وتناقضات إنسانية غنيّة، فتنمو الشخصيات وتنكشف الأسرار والخفايا والدوافع الكامنة خلف النفوس البشرية، فلا نحكم عليها إلا بقدر ما نعيشه داخلها.
أعجبني كثيرًا الاختلاف البصري في النص، بين الخط الثقيل والخط الخفيف، الذي فرّق بين مذكّرات محمد البلتاجي ونصوص ابنه هيثم. هذا التفصيل زاد الرواية تميّزًا، وجعلني أقع في حبّها بصدق. فهي تروي وتشارك تصنّع عن مشاعر مكبوتة، وندمٍ ممتد، وخوفٍ عميق من الأبوة بسبب ماضٍ يدور في دائرة مغلقة من التساؤلات والأفكار المشتّتة وصراعات النفس.
تطوّر أسلوب الكاتبة كان واضحًا وصريحًا، وقد أبهرتني هذه النقلة. لاحظت الفرق الكبير بين أعمالها السابقة وهذه الرواية؛ شدّتني بحساسية صادقة، جعلتني أقلب الصفحات بتقطّع عبر الشاشات، محاوِلةً التركيز، وأنا أعيش الإحساس بكلّ تفاصيله.
إنها تجيد الكتابة بمشاعر حقيقية، دون زيف. ومن وجهة نظري الصادقة، لا أجد عيوبًا تُذكر؛ بل شعرتُ أنني لم أقرأ الأحداث فقط، بل عشتها. وربما كنتُ أتمنى إضافة فصول عن شخصية عمر، للتعرّف أكثر على مشاعره وعلاقته بعائلة محمد، فذلك كان سيُضيء جوانب أخرى، ويجعل الأحكام أكثر إنصافًا، إذ إنّ كلّ إنسان يعيش مشاعره الخاصة التي لا يعرفها سواه.
ما أبهرني أيضًا هو تناول الرواية لموضوعات الإنترنت والكمبيوتر والتغيرات الاجتماعية من منظور هيثم، وشغفه بعالم البرمجة، وهو جانب ذكي ومواكب للواقع.
تعلّمنا الرواية كيف نفيق من قسوة مشاعر الندم والغضب، التي قد تعمينا أحيانًا عن أفعالنا، وكيف نحاول التقبّل والتصالح مع الماضي. فقد طرحت موضوعات مهمّة تؤكد أن ارتكاب الأخطاء لا يعني النهاية، بل يحتاج إلى الاعتراف والتقبّل، ونجحت الكاتبة في تحقيق توازن واضح بين الماضي والحاضر.
حتى في النصف الثاني، مع دخول عالم الطب النفسي وموت الأم، بدت الرواية كمرآة معكوسة تكشف الداخل، وترفض الواقع، وتُعلّقنا في الأوهام. إنها تعرّي نفوس البشر، وتمنح كل شخصية حقّها في الإحساس، خاصة تلك الندوب المتجذّرة في الطفولة الداخلية، التي ترفض الخروج إلى العالم، وتختبئ في أعماقنا، فنشعر بألمها ونتجاهلها، كما في حالة الإنكار.
أحببت مدينة المنصورة من خلال الرواية، رغم أنني لم أزرها يومًا، ولم أتعامل مع أهلها من قبل. لكنّ صورتها وصلتني كمدينة أهلها طيّبون، كرماء، راضون، بوجوه دافئة وقلوب صادقة. شعرت أن البيت مليء بالأجواء الحنونة، كما وصفه هيثم، فاقتَنعت وتعلّقت بالمكان.
فكرة الرواية كانت رائعة ومفيدة، إذ تناولت قضايا اجتماعية مهمّة مثل الإهمال الأسري، والفقد، والألم، والضياع، وفتحت باب الأسئلة بلا حدود، تلك الأسئلة التي لا نجد لها إجابات واضحة، بل نبحث من خلالها عن أسباب ندوب الأسرة.
وجاءت النهاية مميّزة، تحمل تصالحًا مع النفس، وتقبّلًا للماضي، وبناءً للثقة بالنفس. كانت رحلة غير سهلة، امتدّت عبر سهر الليالي التي قرأتُ خلالها الرواية، وكأنها تكتب في داخلنا لا على الورق.
وأخيرًا، بعد هذه الرحلة الشعورية العميقة، تعلّمت الكثير منها في دوري الحياة. ولا أنكر أنّها من أفضل الروايات الصادقة والجريئة التي قرأتها، رواية بلا تزييف، شديدة الحساسية، نابضة من القلب إلى القلب.


