هل تخيلت يومًا أن ضحكتك العفوية البسيطة قد تكون مجرد "فائض طاقة عصبية" يبحث عن مخرج، أو ربما سقطة أخلاقية لا تليق بوقار الإنسان الكامل؟ في كتاب "فلسفة الضحك"، نحن لسنا أمام دعوة للمرح أو كتاب للنكات، بل أمام محاورة فكرية دقيقة تُوضع فيها "الضحكة" تحت مجهر ثلاثة من عمالقة الفكر الغربي، ليخرج لنا عملٌ يفكك البديهيات ويجبرك على إعادة التفكير في أكثر أفعالك اليومية تكرارًا.
الكتاب عبارة عن رحلة فكرية مثلثة الأضلاع؛ يبدأ فيها جورج فاسي بنظرة أخلاقية صارمة، متسائلًا بجدية تثير القلق عما إذا كانت الأفعال والكلمات التي تثير الضحك ترفع حقًا من شأن الإنسان أو تهذبه، أم أنها مجرد عبث لا طائل منه؟ وكأنه يضع "الضحك" في قفص الاتهام الأخلاقي. ثم يأخذنا هربرت سبنسر إلى منطقة مغايرة تمامًا، مجردًا الضحك من شاعريته ليحوله إلى عملية ميكانيكية بحتة داخل الجهاز العصبي؛ فالضحك عنده هو الحل الأخير للجسم لتصريف "الطاقة العصبية الزائدة" التي لم تجد طريقًا للفكر أو العمل، في شرح فسيولوجي مذهل يربط بين انقباضات عضلات الوجه وراحة الأحشاء الداخلية.
وتكتمل الصورة بلمسة نفسية وجمالية مع جيمس سالي، الذي يبدو أكثر إنصافًا للروح البشرية، حيث يتناول "الشخص الفكاهي" كنموذج للمرونة النفسية، ذلك الذي يستطيع بذكاء أن يمرر خيطًا من المرح وسط نسيج الجدية، جاعلًا من الفكاهة أداة للتوازن وليست مجرد هروب. إن هذا الكتاب ليس وجبة خفيفة للقارئ الباحث عن التسلية، بل هو عمل دسم يمزج الفلسفة بالطب وعلم النفس، ليجعلك تتساءل في المرة القادمة التي تبتسم فيها: هل أنا أمارس رقيًا إنسانيًا، أم مجرد عملية تفريغ عصبي بيولوجية؟