لا يمكنني قراءة كتاب (دليلك اللطيف جدًا لفهم الدماغ البشري) بمعزل عن خلفية معرفتي بمؤلفه الدكتور محمد أبو الوفا؛ فقد جمعتنا رحلة طلب علمية في عام ٢٠١٢ في دورة مميزة تحت إشراف قامات فكرية وعلمية مرموقة، الأستاذ الدكتور مدحت الليثي والأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح. ومن خلال تلك المزاملة، وفيما بعد من حديث صديقي دكتور ياسر الزيني عنه، لمست في الدكتور محمد سمات انعكست بوضوح في ثنايا كتابه، أهمها تلك القدرة الفائقة على الجمع بين المنهجية العلمية الرصينة والعمق الفلسفي، والأمانة في تبسيط المعرفة ونقلها من أروقة الأكاديميا إلى فضاء القارئ العام دون إخلالٍ أبدًا.
وينتقل بنا الدكتور محمد في كتابه من مرحلة (العرض العلمي الجاف) إلى مرحلة (المؤانسة العلمية)، حيث لم يكن اختيار كلمة (اللطيف) في العنوان مجرد ذكاء تسويقي، بل هو انعكاس لرفق العالم بالمتعلم؛ فقد نجح في تقديم وجبة دسمة من الحقائق الطبية المكثفة بأسلوب خفيف الظل يزيل الرهبة من المصطلحات الطبية، معتزًا في الوقت ذاته بهويته العربية، حيث تجد في الكتاب لغةً طيعة ورصينة لا تستحي من استخدام التعبير العربي الفصيح لوصف أدق العمليات الحيوية، مما يجعل الكتاب تجسيدًا نبت في أرضنا وليس مجرد اقتباس من كتب الغرب.
وأكثر ما لمسني بشكل شخصي في هذا الكتاب هو بحث الكاتب عن (المعنى) الكامن خلف المادة؛ فقد استطاع ببراعة أن يخرج من ضيق المصطلح الطبي إلى سعة البيان الإنساني عبر تسميات لطيفة. استمتعت كثيرًا بمقاطع مثل: (المعدة طريق القلب للرجل) والذي يشرح من خلالها العلاقة المعقدة بين الجهاز الهضمي والدماغ وبين الاحتياج العاطفي، واستمتعت بالفصلين الخامس والسادس؛ وخصوصًا النكز الخاص بنا نحن أهل الطب النفسي وعلومه، وأقول له: (يا عزيزي كلنا في الهوا سوا).
طرح الكتاب تساؤلات لطيفة وعميقة وفلسفية كثيرة، بشكل يعمل التفكير والبحث والمدارسة، لاسيما: هل التدين ظاهرة دماغية؟ ما هو الزمن؟ ما هو المعنى؟ وتتجلى فرادة التشبيه عند أبو الوفا في استحضار الرموز الثقافية لتقريب العمليات الذهنية، فتارة يستحضر (حي بن يقظان) كإسقاط ذكي على رحلة الدماغ الفطرية في اكتشاف العالم، وتارة يستحضر (عم أيوب) في التعبير عن متلازمة فريجولي، وصولًا إلى صياغته ونحته لمصطلح (من طرف قراطيون) تلاعبًا بمصطلح ديمقراطيون ليشرح كيف يعمل الدماغ كمنظومة تشاركية لا دكتاتورية، حيث يتم التصويت عصبيًّا لاتخاذ القرار الأنسب.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أتوجه بوافر الشكر للدكتور محمد على هذا الجهد الراقي الذي يحترم عقل القارئ ووجدانه في آن واحد، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، وعلى طريقة (من طرف قراطيون) في استرجاع الذكريات، أود أن أطرح عليه تساؤلاً مُشاغبًا: يا دكتور محمد، هل ما زال دماغك (اللطيف) يحتفظ بنسخة من ذلك الملخص الخاص بي في دورتنا العلمية الغابرة عام ٢٠١٢؟ أم أن مسارات الذاكرة قد أعادت تدويره لفسح المجال لروائع أخرى كعادتها؟.
شكرًا لك يا صديقي على هذا (الدليل) الذي جعلني أفهم ما يدور خلف جبهتي بابتسامةٍ ورضا.




