نصوص بغايه الروعه و السلاسه
على رؤوس الأصابع
نبذة عن الكتاب
أحتاج دومًا لأماكن اختباء تواريني لوحدي، أن أُختَصَر باسمي دونًا عنّي؛ أن أتخفّى داخله كأن لم أكن يومًا على قيد الواقع. بعض المرات أحتاجُ لاختباء مُضاعف التّخَفّي، فألجأ إلى حُجرة الهَاء السّريّة في الحرف الأول من اسمي؛ حُجرةٌ بداخل حُجرة... مكانٌ مناسبٌ باختباءين سريّين. وكأنّ الهَاء أُعِدَّت خِصّيصًا للاختباءات الطويلة؛ بعكس التخفّي وقوفًا وراء الألف، للاستراحات القصيرة على عجل والاختباءات المكشوفة عمدًا والفاضحة لطرف ثوبي وموطئ حذائي. في بطن النّون أتقوقعُ على ذاتي؛ حين تشغلني القرارات الكبيرة والأحلام المؤجّلة إلى مواعيد الحلم فحسب؛ تضيء لي نجمتها الوحيدة فوق رأسي شيئًا من عتمة الأمنيات البعيدة. وعلى مركِب يائي أُجدّفُ مسندةً رأسي باسترخاءٍ إلى مقدّمة رقبته. الياءُ للاسترخاء المنعزل الطّافي بركودٍ، وكأنها على سطح نهر هادئ، مكشوفة على اتساع السماء، تاركةً للأفكار حُرية الانفلات والضياع في الهواء والتجديف به كيفما تشاء. لا مكانَ يلتقطُ الفكرة ويخبّئها ويسطو عليها كيلا تضيع، كحُجرة التاء المربوطة بإحكام عـــلى كل الكلمات العـــابرة، إنها حُجرةٌ للكتابة برويّة وتنظيم حركة ســـير الأحـــرف بهدوء، كلّ الكلمات فيها ودائع محفوظة بأمان. حـــين أَخرجُ من اســـمي، أربطُ حبال أرجوحتي في أحـــرفه الخمسة وأتأرجحُ تحـــت الشمس، أقرأ كتابي بشغفٍ في الضوء وكأنّ من كتبهُ ليس أنا.التصنيف
عن الطبعة
- نشر سنة 2024
- 145 صفحة
- [ردمك 13] 978-977-9677-36-1
- مركز غايا للإبداع والعلوم والفنون
مراجعات
كن أول من يراجع الكتاب
-
Nasser Ellakany
نصوص بارعة، نثريات وادعة، لغة عذبة محلقة، دفقات وجدانية دافئة، شذرات ذهنية رشيقة، تلك التي منحتها لنا الكاتبة المبدعة "هانية خانكان" في كتابها الساحر الأثير "على رؤوس الأصابع".
هذه النصوص يمكنك أن تراها أقاصيصًا بديعة، ويمكنك أن تراها أشعارًا ملهمة، ويمكنك أن تراها ومَضاتٍ كاشفة، ويمكنك أن تراها هزَّاتٍ مُزَلزِلة، لكنك في النهاية ستكتشف أنها ٨٨ لؤلؤة عليك أن تغوص في أعماق ذلك البحر حتى تعود بها.
أسكرتنا الكلمات والمعاني التي كثفتها هانية خانكان وملأت بها كؤوس النشوة، فحلَّقنا عاليًا بين النجوم ووراء القمر، وغصنا عميقًا في أعماق البحر، ورحلنا بعيدًا إلى حافة العالم، كنا فقط مستسلمين، لا نحاول المقاومة أو الهروب.
في البداية استقبلنا "برد الغياب"، عندما التبس علينا سقوط ورقة جافة من غصن شجرة أخفتها بيدها، مع تدحرج عَبرة على وجنتها فأطبقت بجفنيها على بقية العبرات لتؤجلها، بعدها مشينا في شوارع حلب، وتذوقنا طعم الفستق الحلبي، وعرفنا أنه للربيع وحده تتفتح الأزهار،
عاشت كل شيء في الوسط، لم تحاول أن تمد يدها لتنتزع ما تحتاجه وتستحقه من الحياة، كانت تعيش حياتها على رؤوس الأصابع، فكان كلُ شيءٍ منقوصًا، وكلُ قولٍ مبتورًا، وكلُ فعلٍ مختزلًا، ظنت ذلك لطفًا مع الحياة، لكنه لطفٌ من طرف واحد.
استغرقنا في رحلة داخل حروف "هانية" الخمسة، ولمسنا زهرة الظلّ، ووقعنا في دونكيشوتيّة الخيالات، وبحثنا عن رحمة الكلمات، ومنحنا ڤينوس ذراعين، وأمسكنا محارة البحر، وأفشينا أسراره، ولمَّعنا نجمات السماء، وراجعنا الانتصارات والهزائم.
❞ فسماء الغربة بلا نجوم، والقمر يطلُّ كلّ ليلة، وحيدًا مثلي أنا ❝
نظرنا إلى الصفحات البيضاء، وتشبثنا بالذاكرة، وبحثنا عن فردة حذاء سندريلا، وجلسنا على الأرض المحايدة، ورقصنا الرقصة المترددة، واخترنا اسم "سماح"، وأخفينا تاريخ ميلادنا في طيات أحد الشهور البعيدة عن رأس السنة، وقابلنا فتاة الثلج، ثم أبحرنا في رحلة طويلة ومتنوعة وكثيفة بين الحقيقة والسراب.
❞ أَلَم أقل لك إنكَ تملك الواقع فقط،
وأنا كلّ الخيال.. لي؟! ❝
كانت الرحلة مليئة بالحنين والشجن، بالخيال والوعي، بالوحدة والغربة، بالرقة والوداعة، بالقسوة والألم.
حاوَلْتُ أن أحدد بعض العبارات كي أضعها كاقتباسات نصية ضمن هذه المراجعة، نظرت إلى عبارات المقاطع المختلفة، المفردات والصياغات والمعاني، اكتشفت أنني أريد أخذ كل عبارات الكتاب، فلا توجد عبارة يمكنني تركها.
من مفردات اللغة، حددت هانية ببراعة منازل الكَلِم ومقادير المعاني، فأطلقت دمعات العيون، وحركت خفقات القلوب، وأثارت رجفات النفوس، ورسمت خطوطًا عميقة على جدران الذاكرة.
❞ نَصٌّ يضحك ونَصٌّ يبكي وآخر قد تجد نفسك في بعضه أو كلّه، ولكن انتبه! راقب قدميك؛ ولا تكن أبداً على رؤوس أصابعك! ❝
نصوص "هانية خانكان" في هذا الكتاب هي نصوص تعانق السماء لعلها تُمْطِر، فتعود نضارة الوجود، وتحرث الأرض لعلها تُنْبِت، فتعود رائحة الحياة، نصوص تبحث عن المعنى في هذا العالم الحائر، نصوص تجعلك تسبح في ينابيع الرجاء، وتتجفف بشعاع الأمل، وتتعطر بعطر الإنسان، ثم تمضي.




