القضاء الجنائي الدولي في عالم متغير

تأليف (تأليف)
مرّ القضاء الجنائي الدولي في تطوره بعدة مراحل، وكانت كل مرحلة من هذه المراحل انعكاسا لظروف معينة، وتأثيرات قوى معينة، فقد وصفت محاكمات ليبزج ونورمبرج وطوكيو بأنها محاكمات المنتصرين للمهزومين، باعتبار أن هذه المحاكمات لم تجر إلا بقرار من الدول المنتصرة في الحرب ولم تطل إلا قادة الدولة المنهزمة فيها. ناهيك عن أن الصفة المميزة لهذه المحاكمات كانت صفة التأقيت. ومنذ نشأة الأمم المتحدة، وجهود دعاة السلام والشرعية الدولية تتكاتف من أجل إقامة قضاء جنائي دولي دائم تخضع له كل الدول الأعضاء في المجتمع الدولي باعتبار أن إقامة مثل هذا القضاء أمر لا غنى عنه لتحقيق الشرعية الدولية وحمايتها. وقابل هذه الجهود،جهود أخرى ولكن في اتجاه معاكس، باتجاه إفشال أي مشروع لإقامة مثل هذا القضاء ربما لأنها كانت تخشى من خضوع ساستها وقادتها لسلطانه. فقد ناصبت الولايات المتحدة على سبيل المثال وإسرائيل وبعض مراكز القوى الأخرى في العالم فكرة إنشاء قضاء جنائي دولي دائم العداء، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة وما زالت تدعي بأنها راعية السلام في العالم والأحرص على سيادة مبدأ الشرعية الدولية في كافة أنحاء المعمورة. وبالرغم من المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة والتعديلات التي فرضتها على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وبما يضفي عليها الطابع السياسي ويجعلها أداة قانونية طيعة في مواجهة الدول الأضعف، ظلت الولايات المتحدة تناصب هذه المحكمة العداء. وإذا كان للولايات المتحدة ومن سار في ركبها مبرراتها في مناصبة فكرة إقامة قضاء جنائي دولي دائم العداء، إلا أن ما لا نجد له مبرراً هو مقاطعة الدول العربية لأي جهود دولية رامية لإقامة مثل هذا القضاء. فمن بين الاثنين وعشرين دولة عربية، لم تصادق على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلا الأردن وجيبوتي، ربما لأن الدول العربية وجدت هذه المرة مَن قد ينصفها في مواجهة عدوها التقليدي،الذي فشلت أروقة الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى حتى عن مجرد إدانته وتوجيه اللوم إليه. وربما كان مانع بعض الدول العربية الأكبر في هذا المجال هو الخشية من الخضوع لسلطانه ولكن هذه المرة بصفة مدعى عليها لا مدعية، جانية لا مجنى عليها. ولنا في جرائم النظام العراقي الزائل (نظام صدام حسين) خير مثال على ذلك، فقبل أن يرتكب هذا النظام جرائمه في مواجهة أشقائه وجيرانه، ارتكبها في مواجهة شعبه، فبعد أيام معدودة من انهيار هذا النظام ظهرت أمام أنظار العالم المقابر الجماعية وأعمال الإبادة الجماعية ضد الأكراد والشيعة في الوسط والجنوب وعلى التفاصيل التي سنأتي إليها لاحقا.
عن الطبعة
  • نشر سنة 2011
  • 320 صفحة
  • ISBN 13 9789957163570
  • دار الثقافة والنشر والتوزيع
4 2 تقييم
10 مشاركة
تفاصيل احصائية
  • 2 تقييم
  • 2 قرؤوه
  • 6 يقرؤونه
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم

 
 
 
 
 
المؤلف
اقرأ المزيد عن المؤلفين