هذا الإنسان > مراجعات كتاب هذا الإنسان > مراجعة مروه عاصم سلامة

هذا الإنسان - فريدريك نيتشه
أبلغوني عند توفره

هذا الإنسان

تأليف (تأليف) 2.9
أبلغوني عند توفره
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
1

محض ترهات! ...قد ظَلم بتدوينها نفسه وأظلَمت بقراءتها نفسي ....ولكني أدركت أن شيئاً ما سيبقيني على عهد الصفحة الأخيرة ...لعلها فتنة الاستغناء!!.. تلك الأثيرة عندي وإن نسجتها الأكاذيب ؟... وكأني للأسف لم أكبر بعد ليظلّ حتى العداء في عينيّ مغويّاً إلى هذا الحد... لمجرد اتشاح أربابه برداءٍ من عدم الاكتراث!! ..فهي المهارة التي لم أستطع يوماً إليها سبيلاً.....و سدىً كان إلحاح الصوت في نفسي يقول: مهدورٌ وقتٌ تمضيه مع نيتشة!!.. ولم يكن على ما يبدو كفيلاً لأن أبرح فضول التساؤل عن كنه اليقين الذي قد يبطنه رجلاً ملحداً ، اجتاز هنا من السنين أربعة وأربعين ...وأكثرما اقتناه في الدنيا علب الدواء ....فهو إلى الناس ورضاهم إذن في فقرٍ شديد....ثم تراه من بعد ذلك وكأنه لا يعتلي منبر هذي السطور ، إلا ليبلغك أنت والناس منه نعيقاً من الاستعلاء صارخ : لي وحدي طريق الأعالي وإن كان شائكاً وعر ..ولكم المعتاد مما بصقتُ عليه من طرقات !! ..وسواءً منكم من أسرّ بالنقد ومن جهر به ... فلست ممن يعتبر للمغفلين أراء !!.....فأُنهي الكتاب البارحة محبطة وأنا أتمنى لوكنت أمضيت ذاك الوقت في أمرٍ ذي نفعٍ عوضاً عن تحمل ازدراء (نيتشة) هذا ...اشتدت وطأة هذا الندم عندما تذكرت هامش المترجم في البدء : ((هذه النسخة بعث بها نيتشة وهو في حالة من الجنون المكتمل!! )) ... أقوم لغسل الصحون لأجدني فجأةً أتمتم عبارته بشغفٍ أثير: ((وإني لأفضّل أن أكون مهرجاً على أن أكون قديساً))!!

وكالعادة بدا لي أسلوبه فوضوياً بشكلٍ بائس كغرفة عازب ...تتناثر الأفكار على جنباته هنا وهناك ..مابين سيرة ذاتية ونقد أدبي وموسيقي... وانتهاءاً بعرضٍ شبه مفصل لما سبق له من مؤلفات كمثل (الفجر ، المسافر وظله ، إنساني مفرط في الإنسانية ، أفول الأصنام ، المعرفة المرحة ، وبالطبع أيقونته الحبيبة (هكذا تكلم زرادشت)) وهي مراجعات أدبية مشبعة بالغرور والصلف ..مما قد يجعل وصف بعض المؤلفين أعمالهم بالقول المستهلك (كلهم أولادي) يحمل الكثير من اللطف بالمقارنة !!..إلا أن إنطباعاً نفسياً واحداً تجده يحيط بهذا كله.. فرغم أن (نيتشة) توفي من بعد هذا الكتاب بعشر سنين ..إلا أنه سيبدو كأنه مثلاً يصف لك على عجالة من أمره ما سيخلفه على هذه الأرض من ممتلكات ..وكأنه على وشك الرحيل !!...وكأنه تأخر !!

وحيث أن الكتاب قد حظي بتقدير عالي بشكل مثير للاستغراب بالنسبة لي ، وحيث أنها آخر أيام عطلتي ، فلقد قررت أن أستهلكها بهذه المقارنة العديمة الفائدة أدناه ، والتي احتوت مجموعة منتقاة من سطور الكتاب في مقابل سيرة نيتشة :

يقول نيتشة معرفاً عن نفسه في مواطن متفرقة من الكتاب :

((أنا المعلم بامتياز!!../الوحيد المؤهل لمهمة قلب القيم!!/ .. إنني على قدرٍ كافٍ من القوة يجعلني قادراً على تحويل الأمور الأكثر إشكالا والأكثر خطراً إلى منافع!!../ يبدو لي أنه من صيغ التكريم النادر جداً الذي يمكن أن يحبو امرؤٌ به نفسه أن يمسك بيده بأحد كتبي ، بل إني أتصوره يخلع نعله أيضا وهو يفعل ذلك !!../ إنني قادم من أعالٍ لم يحلق فوقها طائر، وعرفت أعماقاً لم تجرؤ قدم على التيه في أغوارها!!/ .. أن تدرك من خلال كتاباتي أنك بحضرة خبير نفساني ليس له مثيل ، فتلك هي أولى قناعة ينبغي أن يتوصل إليها قارئ جيد من ذلك الصنف الذي أستحق!!../ يحق لي أن أعتبر نفسي أول فيلسوف تراجيدي!!.إني أعرف النساء ، لعلني الخبير النفسي بالأنثى الخالدة ، فكلهن يحببني وهذه حكاية قديمة!! /.. لي خبرة في الصيد أكثر من أي كان ، وإذا لم يكن هنالك من صيد قد حصل ، فذلك ليس ذنبي، فالسمك هو الذي لا يوجد!!/ أنا نقيض المسيح!! )) أما عناوين الفصول فكانت على الترتيب : ((لمَ أنا على هذا القدر من الحكمة؟؟/ لماذا أنا ذكياً إلى هذا الحد؟؟ / ما الذي يجعلني أكتب كتباً جيدة ؟؟))

يقول الواقع معرفاً عن نيتشة في مواطن متفرقة من عمره:

((توفي والده وهو في الخامسة عشرة من عمره/ ..عانى منذ الصغرمن ضعف بالبصر/ لامته الجامعات والمعاهد الألمانية على نقده اللاذع للعديد من الفلاسفة / نبذته تلك الجامعات حيث لم يروا فيه إلا عالماً لغوياً لا غير/ لم يلق كتابه الأثير (هكذا تكلم زرادشت) والذي كان يعتبره أنجيله الشخصي أي ترحيب بجامعات بلاده و واجه في نشره العديد من الصعوبات / ..وقع في الحب عدة مرات (قيل تسع) لكنه فشل بسبب عينيه الحادتين ونظراته المخيفة برأي الفتيات لذا اتسمت حياته بالكآبة حتى نهايتها / لكنه هام عشقاً بتلميذته البروسية والتي رفضته هي الأخرى لتتزوج سواه / ..كان نيتشة منهكاً دائم المرض سواء كان جسدياً أو عقلياً / صارع زمناً الألم وصداع الرأس والغثيان المصاحبين لمرض (الزهري= السفلس) و الذي التقطه من بيت دعارة في كولون/ جال أصقاع أوروبا سنيناً كي يجد مكانا يناسب صحته، قبل أن يستقر بأعالي جبال سويسرا (تحدث عن هذه الرحلات البحثية في كتابه هذا) / في الفترة التي دوّن بها هذا الكتاب عُرفت عنه الكثير من الحادثات المثيرة للجدل، كمثل هجومه في شوارع تورين على حصان، ورقصه عارياً وتدبيره لاغتيال القيصر/ كان يظن نفسه يسوع ونابليون وبوذا والاسكندر المقدوني وفيكتور ملك إيطاليا/ أُخذ مكبلاً في قطار ونُقل إلى ألمانيا حيث أُودع في ملجأ لكن أمه وأخته (واللتان حظيتا بنصيب لا بأس به من الذم في هذا الكتاب) أخرجتاه واعتنيتا به حتى توفي بعد 11 سنة في عمر 56 سنة))

أعني من ذلك أنه بالنظر إلى هذه الهوة السحيقة فيما بين أسلوبه المنتفخ الأوداج بجسارة ..وبين مرارة واقعه الأليم ..لا يبدو مفهوماً لي على الإطلاق أن يُعد كتاباً كهذا عملا يستحق المديح ..بقدر ما قد يجعل الشئ المنطقي الوحيد هاهنا هو رغبتي في أن أهدي نيتشة قالب حلوى أو أن أسرد على مسمعه بعض النكات!!

لا يمنع هذا تقديري لرهافة اللفظ الرقيق ، حين يصف موت الذين يحبهم هكذا في معرض لغوه ، وكأن أوصافاً كهذه أمراً طبيعاً في سياق عابث كهذا ، كأن يقول واصفاً موت أباه مثلاً : (( مات أبي في سن السادسة والثلاثين ، كان رقيقا ولطيفا وعليلا مثل كائن مهيئ ليكون عابراً لا أكثر ، مجرد ذكرى لطيفة عن الحياة أكثر من الحياة نفسها)) وفي موضع آخر واصفاً أحد تلاميذه الراحلين : ((ذلك الشاب الذي توفي في سن تجعل الموت غير مغتفر))..وواصفا نفسه في إحدى كآباته بدرامية شديدة بالقول: ((إني ميتٌ من فرط الخلود)).

هذا ولن تفوتك الكثير من التناقضات كأن يؤكد كراهته المتناهية لأصنام البشر ثم يتحدث عن (زرادشت) وكأنه نبي، ويلقب الموسيقار (فاغنر) ب(وليّ النعمة) ، ويصف إحدى مؤلفاته والتي تدعى (ترستان) في عدة صفحات وكأنها اللوح المقدس ، هذا الرابط أدناه للمقطوعة المعنية بالذكر ، والتي لا بأس بها برأيي إن احتملتها لخمسة عشر دقيقة لا غير.

****

وعلى صعيد آخر لم أقرأ لأحد من قبل يسب قومه كما فعل (نيتشة) ، وعلته في ذلك أنه رغم كونه ألماني الجنسية فهو ينحدر من ((أصل بولوندي نبيل ، لا تشوب دمه قطرة واحدة من الدم الفاسد ، الألماني على الأقل)) ، أو أن يجعل المرادف اللفظي لشئ ألماني هو ((شئ ردئ))، وأن يصف الشعب الألماني بالقول : ((هم كوكبة لا ينقصها نذل واحد)) ..أما أكثرها طرافة عندي فهي قوله راثيا حظه ((وإني محكوم عليّ بالألمان)).!!

(عذراً إن كان ما سأقوله الآن غير لائق ، ولكنه حدث بالفعل) :

ليكتمل المشهد عبثية ..فعليّ التنويه إلى أنه ربما سيكون هذا الكتاب هو الوحيد في حياتك الذي تقرأ فيه ترجمة (المؤخرة) بلفظها الدارج!! ...فلا تفزع أخي الكريم ..والتمس العذر للمترجم (علي مصباح) وهو المعروف بأمانته في النقل عن الألمانية ..فلعلها أيضاً إحدى خطايا (نيتشة) العديدة .. ..تقع هذه الحادثة الأدبية الشديدة الندرة بنهاية الصفحة (41) حيث يقول نيتشة في إحدى لحظات التجلي : ((إن ال (***) الخامل لهو الخطيئة الحقيقة ضد الروح القدس ))!!!

أما استنادا إلى العنوان ، فنعم هو ذا الإنسان ..في أتعس حالاته!!

Facebook Twitter Link .
6 يوافقون
11 تعليقات